نأتي إلى دليل آخر، الدليل السادس عشر في قول الله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} . سورة [هود من الآية 45 إلى الآية 46] .
قال أبو حيان في (البحر المحيط) :"قوله إن ابني من أهلي؛ هي ظهور أنه ولده لصلبه، معنى من أهلي: أي الذي أمرت يا رب أن أحملهم في السفينة، لأن الله أمره بقوله: {احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} كما في سورة هود، ولم يظن أنه داخل فيمن استثناه الله بقوله: {إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ} لظنه أنه مؤمن"، هو يقول أن نوحًا -عليه السلام- كان يظن أن ابنه مستثنًى من هذا لأنه كان يظن أن ابنه مؤمن، وأن الله -سبحانه وتعالى- أجاب نوحًا على أن الله مطلع على ابنه أنه ليس بمؤمن وأنه كافر، وكان نبي الله نوح يتأوّل هذه الآية {احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} فكان يظن أنه من أهله، وبعض العلماء قالوا: أنه ربما كان يظن أيضًا (من أهلك) أي من المؤمن وغير المؤمن، فمن باب الشفقة قالها. وبعضهم يقول لا، هو كان يظن أن ابنه مؤمن، لم يعرف أن ابنه كافرًا.
ولذلك قال القرطبي في تعليقه على هذه الآية:"ولم يك نوح يقول لربه {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} إلا وذلك عنده كذلك، إذ محال أن يسأل هلاك الكفار". إذًا سيدنا نوح -عليه السلام- كان يظن أن ابنه مؤمن، وإلا فسيدنا نوح يقول: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} يدعو على الكفار ويستثني ابنه؟! فقال لا، هو كان لا يعلم أن ابنه كافر، كان يعلم أن ابنه مؤمن.
"ولذلك فإن الله رد عليه بذلك، وكان ابنه يُسِر الكفر ويظهر الإيمان، فأخبر الله تعالى نوحًا بما هو منفرد به من علم الغيوب، أي علمت من حال ابنك ما لم تعلمه أنت"، ولذلك فإن الله -سبحانه وتعالى- رد عليه بأن هذا الابن سيكون من المغرقين.
وأيضًا هذا الكلام ذكره العلامة السعدي وغيره، ولكن كل الكلام دائر على كلام القرطبي وابن عطية وأيضًا أبو حيان وهؤلاء العلماء.