هم يحتجون في هذه السورة بمشيئة الله، يقولون: لو شاء الله ما عبدناهم؛ يحتجون بالقدر، يقول: لو شاء الله ما قتلته، لو شاء الله ما كفرت، لو شاء الله ما عصيت. هذا احتجاج باطل وهذا لا يجوز وإذا احتج الناس بمثل هذه الدعاوي السخيفة لما عوقب أحد وما حوسب، ولماذا أرسل الله الرسل؟
فإذًا مشيئة الله؛ هناك مشيئة كونية للكافر والمؤمن، أما المشيئة الشرعية فهذه مشيئة التوفيق (مشيئة الهداية) الله أعطاهم مَلَكة الاختيار هذا طريق الجنة وهذا طريق السعير، اختاروا الطريق. ساروا بعقلهم هكذا إلى الطريق الآخر فالله لا يوفقهم. أما المؤمن فإن الله يهديه إلى المشيئة الشرعية (مشيئة التوفيق) على طريقة {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} فنحن مهديون الحمد لله من ناحية الهداية الكونية، لكن من ناحية الهداية الشرعية هذه هداية زائدة، وهي هداية أن الله يوفقك ويلهمك ذلك، أما الكافر فليس له حظ في هذه الآية.
ولذلك يقول السعدي:"أن حجته قامت على جميع الأمم وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولًا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة ودين واحد وهي عبادة الله وحده لا شريك له {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} فانقسمت الأمم -الشاهد هنا في هذه الآية أن الأمم انقسمت- بحسب استجابتها لدعوة الرسل وعدمها قسمين؛ فمنهم من هدى الله فاتبعوا المرسلين علمًا وعملًا، ومنهم من حقت عليه الضلالة فاتبع سبيل الغي {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} أي بأبدانكم وقلوبكم {فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} فإنكم سترون تلك العجائب فلا تجدون مكذبًا إلا كانت عاقبته الهلاك".
والإمام الشنقيطي له كلام جميل في (أضواء البيان) :" {فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} إن الأمم التي بُعث فيها الرسل بالتوحيد منهم سعيد ومنهم شقي، فالسعيد منهم يهديه الله إلى اتباع ما جاءت به الرسل، والشقي منهم يسبق عليه الكتاب فيُكذّب الرسل ويكفر بما جاؤوا به فالدعوة إلى دين الحق عامة والتوفيق للهدى خاص -التي هي المشيئة الشرعية التي نتكلم عنها، أي ما يسمى مفهوم المفاصلة، مفهوم الموالاة والمعاداة- {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فقوله {فَمِنْهُمْ} أي من الأمم المذكورة في قوله: {فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا} ، {فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ} أي وفقه لاتباع ما جاءت به الرسل، {وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} أي وجبت عليه ولزمته لما سبق في علم الله تعالى من أنه يصير إلى الشقاوة".