الصفحة 3 من 3

العبادة"معناها، صفاتها، شروط قبولها"

[الكاتب: أبو محمد المقدسي]

سلسلة {يا صاحبي السجن}

معنى العبادة

العبادة لغةً: من الخضوع والانقياد والتذلل، يُقال بعير مُعبّد أو طريق مُعبّد: أي مُذلّل سلس سهل الانقياد.

وهي شرعًا: غاية الحب مع غاية الذل وهي كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: العبادة اسم جامع لكلّ ما يُحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.

وعلى هذا فمعنى العبادة واسع وليس كما يظنه كثير من الناس فيقصرونه على السجود والركوع والصلاة فربما عبدوا غير الله بأنواع أخرى من العبادات وهم لا يشعرون فيقعون بالشرك الذي لا يغفر الله لمن مات عليه قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِه وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء:48] .

لذلك وجب على من أراد النجاة من النار ودخول الجنة أن يفهم معناها وأنواعها ليوحِّدها جميعها لله تعالى، فذلك حقه سبحانه على العباد إن هم أدّوه كان حقًا عليه سبحانه أن يدخلهم الجنة كما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.

فتأتي العبادة بمعنى التنَسُّك والتأله: كالسجود والركوع والصلاة، وأيضًا الدعاء فهو من العبادة ومنه الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله فذلك من العبادة التي يجب أن لا تُصرف لغير الله، وكذلك الاستعاذة {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنُّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن:6] . وكذلك الذبح والنذر ونحوه فذلك كله من العبادة التي يجب أن لا تُصرف لغيره قال سبحانه: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162 - 163] .

وقال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:4] . فالنحر والذبح كالصلاة يجب توحيدها لله تعالى، وقال e في الدعاء: (الدعاء هو العبادة) .

وتأتي العبادة ويُراد بها الطاعة والانقياد المطلق، قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَلاَّ تَعْبُدُوا اُلشَيْطَان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [يس:60] . فعبادة الشيطان هنا طاعته. وكذلك قوله تعالى عن فرعون وملئه: {فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون:47] . فالمقصود بالعبادة هنا الطاعة والإنقياد المطلق في كلّ شيءٍ، فهذه لا تجوز إلا لله وإن صُرفت إلى غير ذلك فهي على نوعين: ـ

1 -طاعة في معصية الله عز وجل (بدون استحلال للمعصية) : كأن يُزيّن له الشيطان الزنا فيُطيعه، أو أن يأمره سيّده بشرب الخمر فيطيعه، أو يأمره رئيسه بحلق اللحية فيُطيعه، وهو يعتقد أن ذلك حرام .. فهذه الطاعة يشملها لفظ العبادة، ويُسمى فاعلها (عابدًا للشيطان) ، أي مُتّبعًا له، ولا يصل إلى الكفر إلا إذا استحل المعصية، وإنما هو مُحرم وقد حذّر النبي e منه أشَدّ التحذير فقال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) [رواه مسلم] .

2 -طاعة في الحكم والتشريع أي في (التحليل والتحريم) : وهذا لا يجوز صَرفه لغير الله عز وجل، فإن صُرِفَ، فهو شرك أكبر، لأن الحكم والتشريع لا ينبغي إلا لله الواحد القهار قال عز وجل: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف:26] .

وقال تعالى أيضًا: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} [يوسف:40] ، فالحكم والتشريع من أخصِّ خصائص الألوهية، ولذا كان من معاني كلمة الإله: المُشرِّع، ومن أسماء الله الحسنى: الحَكَم والحكيم، وعلى ذلك، فإنَّ من شرَّع أو فرَضَ تشريعًا وحُكْمًا غير حُكمِ الله عز وجل فقد نَسَبَ إلى نفسه صفةً من صفات الألوهية، وكان بذلك مثل فرعون حين قال: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38] .

والأدلة على أن مجرد الطاعة والاتباع لغير الله عز وجل في الحكم والتشريع تعتبر شركًا كثيرة، منها قوله تعالى: {وَإِنَّ الْشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُون} [الأنعام:121] . فكانت طاعة أولياء الشيطان هنا شركًا وعبادةً لغير الله عز وجل لأنها طاعة في الحكم والتشريع، أي في التحليل والتحريم الذي لا ينبغي إلا لله عز وجل .. وذلك كما روى الحاكم وغيره بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنه: أنَّ أُناسًا من المشركين كانوا يُجادلون المسلمين في مسألة الذبح وتحريم الميتة فيقولون: (تأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتل الله ـ يعني الميتة ـ) فقال الله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُون} فكانت مجرد الطاعة في مثل هذه الأمور تُعتبر شركًا، يقول ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ: أي حيث عَدلْتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قولِ غيره فقدّمتم عليه غيره فهذا هو الشرك. اهـ.

لذلك فإنَّ من أطاع العلماء أو الأمراء أو الحكام في تحريم ما أحلّ الله أو تحليل ما حرّم الله في فتاويهم، أو قوانينهم التي يحكمون بها العباد، فقد اتخذهم أربابًا من دون الله وكان بذلك مشركًا، ويدّل على ذلك أيضًا قول الله تعالى عن أهل الكتاب: {اتَّخَذُوا أَ حْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} [التوبة:31] . واتخاذُ الأحبار والرهبان أربابًا، لا يُقصد به هنا السجود والركوع لهم، وإنما ذلك بطاعتهم في الحكم والتشريع والتحليل والتحريم، لأنَّ هذه الطاعة عبادة كالركوع والسجود لا تجوز إلا لله عز وجل، لذلك أنكر الله تعالى عليهم ذلك في تَتِمَّةِ الآية فقال: {وَ مَاأُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّإِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وقال سبحانه وتعالى أيضًا عن أمثال هؤلاء الذين يُطيعون ويَتبعون غير تشريعه: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن_ به الله وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ... [الشورى:21] .

فاحذر ذلك جيدًا ـ يرحمني الله وإياك ـ فقد هلك بسببه كثير من أهل زماننا .. (1) .

صفات العبادة الصحيحة

ينبغي للعبادة كي تكون على الوجه الذي طلبه الله منا، أن يصحبها ثلاثة أمور وهي: ـ

1ـ الحب

2ـ الخوف

3ـ الرجاء

1ـ فنعبد الله تعالى حبًا له سبحانه فقد أثنى الله على عباده بذلك فقال: {وَالذين آمنوا أشدُّ حُبًا للَّه} .

2ـ وكذلك نعبده خوفًا منه ومن عذابه سبحانه، قال تعالى: {فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين} وقال عز وجل: {يَدعُون ربَّهم خَوْفًا وطَمَعًا} أي خوفًا من عذابه وطمعًا في مغفرته وجنته وثوابه.

3ـ وكذلك الرجاء: قال تعالى: {ويَرجُون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورًا} .

فنعبد الله تعالى حبًا فيه وخوفًا من عذابه ورجاء رحمته وثوابه في وقت واحد وهذا هو حال الصالحين ودأبهم وهذه هي صفة العبادة الصحيحة التي يُريدها الله من عباده ولذلك قال بعض السلف: (مَنْ عَبدَ الله بالحب وحده فهو زنديق(2) ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري (3) ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ (4) أما صاحب السنة فيجمع بين ذلك كله).

شروط قبول العبادة

أما شروط قبول العبادة فهي:-

* الإيمان

*الإخلاص

* الإتباع

ولا تُقبل عبادة عابد إلا بتوافرها كلها مجتمعة.

فالعبادة بلا إيمان مردودة قال تعالى: {من عمِل صالحًا من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن} فجعل الإيمان قيدًا لذلك.

وكذلك الإخلاص: بدونه لا تُقبل العبادة، قال تعالى في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمِلَ عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) . فلا يقبل الله تعالى من العمل إلا ما كان خالصًا له.

وكذلك الإتباع: فالله لا يقبل من العبادة إلا ما كان مُوافقًا لما شرعه أي صوابًا، قال e: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ـ أي مردود ـ [رواه مسلم] .

أسأل الله تعالى أن يوفقني وإياك إلى العبادة الصحيحة وأن يتقبل أعمالنا ويحسن ختامنا.

أبو محمد عاصم المقدسي

سجن قفقفا ـ الأردن ـ ربيع الثاني 1415 هـ.

(1) ويدخل في هذا الفرع أيضًا الحكام المرتدين الذين يزعمون الإسلام، ويحكمون بقوانين اليهود والنصارى، فهم مشركون أيضًا، وإنْ لم يُقنِّنوا هم بأنفسهم فيحرِّموا ما أحل الله أو يُحلوا ما حرّم الله، لأن مجرد طاعتهم لليهود والنصارى في تحكيم قوانينهم (التي جلها استحلال للحرام وتحريم للحلال) بدلًا من حكم الله، يعتبر شركًا أكبر (أي عبادة لغير الله عز وجل) ، فأولئك المشركون العرب كانوا يُجادلون المسلمين في حكمٍ واحدٍ من أحكام الإسلام وهو الذبح، فسمى الله عز وجل طاعتهم واتباعهم لذلك الأمر شركًا، فكيف بمن اتبع اليهود والنصارى وأطاعهم بتحكيم قوانينهم وأحكامهم كلِّها، ونَبَذَ حُكْم الله كلّه؟؟؟.

(2) كما يزعم بعض الصوفية أنهم أحباب الله، يعبدونه حبًا فيه فقط وليس خوفًا من عقابه ولا رجاءً ورغبة في مغفرته وثوابه، فكان ذلك من أعظم أسباب ضلالهم وانحرافهم لأنهم خالفوا أمر الله عز وجل حيث أمرنا أن نعبده بالخوف والرجاء معًا، فقال: {وادعوه خوفًا وطمعًا} .

وهؤلاء الضلال ليسوا أفهم ولا أعلم من الأنبياء وعُباد الله الصالحين الذين وصفهم الله بأنهم يدعون ربهم خوفًا وطمعًا وأثنى عليهم بذلك.

(3) الحرورية: هم الخوارج نسبة إلى حروراء بلدة كان أول ظهورهم فيها ..

(4) المرجئة: هم الذين يُرجئون العمل عن الإيمان أي يأخرونه ويهملونه ولا يجعلونه شرطًا أو ركنًا من أركان الإيمان، كما يقول كثير من الناس اليوم إذا دُعي للصلاة أو غيرها من الفرائض {إن الله غفورٌ رحيم} دون أن يستجيب لشيء من ذلك ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت