فلو لم يُقاتل الجماعات في ترك أركان الإسلام، أو ترك معالم الدين، لانطمس الدين، وانطفأ نوره واضمحل، وطُمست معالم الشريعة، ولذلك يُقاتَل الجماعات على هجر السنن الظاهرة والشعائر العظيمة في الإسلام إذا أعلنوا تركها، أما إذا تركها الأفراد فلا، لأنها باقية، فهم لم يُقاتَلوا على ذات الترك، وإنما يُقاتَلون على ذات التبديل، فإن تركهم هذا يقتضي تبديلًا، ولذلك أبو بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى قاتل هؤلاء لأنهم لو لم يُقاتَلوا لما دفع الزكاة أحد، لأنهم أبوا عن دفع الزكاة، فلم يدفع أحد الزكاة إلا أهل المدينة ... نعم:
وسموهم جميعهم أهل الردة. وكان من أعظم فضائل الصديق رضي الله عنه عندهم أن ثبته الله على قتالهم ولم يتوقف كما توقف غيره فناظرهم حتى رجعوا إلى قوله
وفي هذا: أنه ينبغي للعلماء عامة وكذلك طلبة العلم ... أمثال المسائل وإن كانت ظاهرة قد يخفى فيها من الأدلة ما يخفى، ولذلك ينبغي للإنسان أن يعرض الدليل، وعرضه للدليل لا يعني رجوعا عن الحق الذي هو عليه، ولذلك عمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق عليهم رضوان الله تعالى بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام ... كان في أول الأمر عمر بن الخطاب يأبى قتال مانعي الزكاة، وتمسَّك أبو بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى بقتالهم، وعرض ما لديه من أدلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) هذا وإن كان من ظواهر الإسلام وظواهر الأدلة، إلا أنه قد يخفى علىلعالم أو يلتبس عليه شيء من الأدلة، فإذا كان هذا على عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد طرأ، فهو على غيرهم من باب أولى.
ولذلك ينبغي لطالب العلم وكذلك العالم أن يكون في هذا الباب - وخاصة في الملمات والفتن - أن يكون صاحب سعة في هذه المسائل، وإن كان يظنها أنها من المسائل المسلَّمة أو الظاهرة، فربما كانت مسَلَّمة عنده، وعند غيره ليست من المسَلَّمات، والعلم هوفضل الله عز وجل يؤتيه من يشاء، بل ربما كانت الفتن والملمات التي تقع في الأمة تجعل على قلب الإنسان من الغشاوة وكذلك البعد عن الصواب ما تجعل.
ومن شاهد كثيرًا من الوقائع التي حدثت في عصر الإسلام من الصدور الأولى إلى عصرنا هذا وجد هذا ظاهرا، ولِينَ الإنسان في مسائل الخلاف وعرض الأدلة لا يعني رجوعه عن الحق، ولكنه ليونًا مع غيره، فإذا وقع هذا مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ينبغي للعالم وكذلك عارض النص أن يكون مع غيرهم من باب أولى ... نعم [1] ... إيه، لأن مَن منعها بخلا هم قلة لا يُقارنُون بمن منعها جحودًا،
(1) هذا سائل يسأل.