في الكلام على كفر مانعي الزكاة والصحابة لم يقولوا هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها، وهذا لم يعهد عنه الخلفاء والصحابة
ولا علاقة المقاتَلة بالكفر، فقد يُقاتَل غير الكافر ... يُقاتَل المؤمن الممتنع، كمن منع الزكاة بخلًا، أو من أضمر بعض شعائر الإسلام، فقد نص الفقهاء بل حُكي اتفاقهم على أنه لو كان أهل بلد منعوا إعلان الأذان في بلادهم أنهم يُقاتلون، مع أنه لم يقل أحد بكفرهم، فالمقاتَلة لا تعني الكفر.
ولذلك قد قسَّم جماعة من العلماء المرتدون بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام إلى قسمين:
1 -أناس قد كفروا وارتدوا ومنعوا الزكاة، وقالوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يُعطى، وبعد ذلك قد نُسخ، فهؤلاء قد كذَّبوا النصوص واضطرادها وبقائها إلى قيام الساعة.
2 -ومنهم من قال أن نمنعها بخلا، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذها منهم، ربما دفعوها إما حياء، وإما دفعوها خوفا، فلما تُوفُّوا قويت نفوسهم على منعها فمنعوها، فحينئذٍ يُقاتَلون، لا يُقاتَلون ردة، ولكن يُقاتَلون لمنعهم الزكاة.
فمن منع الزكاة من أفراد الناس هل يُقاتَل؟ لا يقاتل، من منع الزكاة من أفراد الناس، وإنما يُوعظ ويُذكر، وأما الجماعات فإنهم يُقاتلون، لذلك لو عُلم واحد من الناس أنه يمنع الزكاة لا يُلحق بهؤلاء، لأن أحكام الجماعات ليسوا كأحكام الأفراد، فمن كان على هذا ... فإذا قيل أن مثلًا أهل حي أو أهل مسجد لا يرفعون الأذان = لا يُقاتلون، أما إذا كان اتفق أهل بلد على منع الأذان فيُقاتلون، وإن كان الأذان على قول بعض العلماء أنه سنة، وعلى قول بعضهم أنه فرض على الكفاية، فيُقال حينئذ أن للجماعات أحكام، وللأفراد أحكام ... نعم:
وقال أبو العباس أيضًا: في الكلام على كفر مانعي الزكاة والصحابة لم يقولوا هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها، وهذا لم يعهد عنه الخلفاء والصحابة، بل قال الصديق لعمر رضي الله عنهما: (والله لو منعوني عقالًا أو عناقًا كانوا يؤودنها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه) فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب. وقد روي أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعهم سيرة واحدة وهي قتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم، والشاهدة على قتلاهم بالنار وسموهم جميعهم أهل الردة. وكان من أعظم فضائل الصديق رضي الله عنه عندهم أن ثبته الله على قتالهم ولم يتوقف كما توقف غيره فناظرهم