تبديل للسنة، فإنه لا يُعذر بذلك، ونظير هذا ما وقع فيه الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى من محنة، فإنه قد تصدَّى للقول بخلق القرآن، فلم يبق إلا هو، فلو قال به لقتضى تبديل لنصوص الشرع، فمن كانت حاله مثل ذلك وأجاب، ما قُبل منه الإكراه، أما من كان إكراهه لا يقتضي تبديل، وإنما هو على نفسه، أو فئام قليل تبعٌ له، فإنه حينئذٍ إذا خشي على نفسه هلاك، أو على سائر ماله هلكة، أو على أبنائه هلكة كذلك، فإنه لاحرج عليه أن يُظهر الكفر بلسانه.
وهل له أن يُظهر الكفر بجوارحه إذا أكره على ذلك؟
قد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في الإكراه في الفعل، هل يجوز للإنسان أن يُظهر الكفر بفعله فيسجد لصنم أم لا؟ جاء في حديث طارق بن شهاب والحديث في المسند وغيره، فالرجل الذي دخل الجنة بذباب، ودخل النار بذباب، فقيل له: قرِّب. قال: وما أُقرِّب؟ قال: قرِّب ذبابة، فقرَّب ذبابة هو خائف، قال: فأدخل النار. وهذا الحديث منكر، فقد ذكره المصنِّف عليه رحمة الله تعالى في كتاب التوحيد، وهو منكر إسنادًا ومتنًا، فمع إرساله فهو غير موافق للأصول، وإن كان قد ذهب بعض السلف وهو قول سفيان الثوري و غيره إلى أن الإكراه بالفعل غير جائز، أي أنه من أجاب بفعله غير جائز، وإنما الجائز شرعا هو القول باللسان، كحال بلال حينما أُكره وعمار، ولذلك جاءت الآية بجواز الإكراه باللسان بخلاف الفعل، والصواب العموم، وأن العبرة هو بالتبديل، إذا كان قوله هذا يقتضي تبديلا، كرجل يُقتدى به، فُوضع السيف على رأسه ... قل بكذا وإلا قُتلت .... فيُقال: أنه هل بقوله هذا يقتضي تبديل، وأنه هو القائم بأمر الله فحسب؟ فإن كان كذلك فيحرم عليه القول بذلك، وإن قال به كفر، لأن هذا يقتضي تبديلًا، وهذا لا يقع إلا لأفراد العلماء وأعيانهم الذين قد قاموا بأمر الله سبحانه وتعالى، فيحرم عليهم حينئذ الإجابة.
والأولى بكل حال أن الإنسان يصبر ويحتسب حتى على الكفر، وأما من جهة العذر والعفو فإنه معذور بذلك ... نعم:
فإذا قال هؤلاء بألسنتهم نشهد أن هذا دين الله ورسوله، ونشهد أن المخالف له باطل، وأنه الشرك بالله غر هذا الكلام ضعيف البصيرة. وأعظم من هذا وأطم أن أهل حريملاء ومن وراءهم يصرحون بمسبة الدين، وأن الحق ما عليه أكثر الناس يستدلون بالكثرة على حسن ما هم عليه من الدين، ويفعلون ويقولون ما هو من أكبر الردة وأفحشها، فإذا قالوا التوحيد حق والشرك باطل وأيضًا لم يحدثوا في بلدهم أوثانًا جادل الملحد عنهم وقال: أنهم يقرون أن هذا شرك، وأن التوحيد هو الحق، ولا يضرهم عندهم ما هم عليه من السب لدين الله، وبغي العوج له، ومدح الشرك وذبهم دونه بالمال واليد واللسان فالله المستعان. وقال أبو العباس أيضًا: