الصفحة 89 من 105

فناسب أن ينقل هنا عنه شيئا من هذه المسألة على تكفير المرتد ... من ارتد عن الإسلام، ومن ارتد عن دين الله عز وجل وجب قتله، لما روى البخاري من حديث عكرمة عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من بدَّل دينه فاقتلوه) والمراد بالتبديل هنا من خرج عن دين الإسلام، فظهرت ردته فيه، حتى كان ما عليه تبديلا، ولذلك قد قُتِل المرتد في عصر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهرُ ذلك ما جاء في خلافة أبي بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلهم على جحدهم الزكاة.

وأما إذا كان في التغافل عن المرتد، وعدم إقامة الحد عليه، ممن ظهرت ردته من أهل الإسلام، وإن كان في الجملة لم يُظهر تبديلا، فقد يكون ذلك سائغا إذا كان في درء الحد عنه درء مفسدة عظيمة عن الإسلام، ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهرت ردة عبد الله بن أُبي ... لما عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، واستهزأ هو ومن معه من المنافقين برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهروا النفاق، وردتهم كانت ظاهرة جلية، وحَكَم الله سبحانه وتعالى بكفرهم في كتابه العظيم: (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) فحكم الله جل وعلا بكفرهم، ومع ذلك لم يقتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمَ؟ لقوله عليه الصلاة والسلام: (أتريد أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) وهذه مصلحة جليلة عظيمة درأ النبي عليه الصلاة والسلام بها الحد عن أمثال هؤلاء، لأن فيه صدا لكثير من الناس عن دخول الإسلام، وإلا فالمرتد يُقتل.

وقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى من ظهرت ردته أيقتل حدًا أم تعزيرًا؟

ظاهر النص أنه يُقتل حدًا، ولذلك عليه الصلاة والسلام ما قيَّد النص بردعه وزجره، وإنما قيَّده بصيغة الأمر بقتله، بقوله عليه الصلاة والسلام: (من بدَّل دينه فاقتلوه) وحامَله قِلة من أهل العلم على أنه لا يظهر على المرتد، وإنما على من انتحل ملة غير الإسلام، وهذا لا قائل به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل الذي عليه عملهم، وهو ما عليه عمل الخلفاء الراشدين الأربعة، فثبت عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب عليهم رضوان الله تعالى أنهم قتلوا من ظهر منه زندقة وإن لم يُظهر تبديلا للإسلام، وهو انتحال ملة من الملل الكفرية غير الإسلام، كمن انتقل من الإسلام إلى اليهودية، أو من اليهودية إلى النصارنية، و حمل بعضهم هذا النص لقوله عليه الصلاة والسلام: (من بدَّل دينه فاقتلوه) أن من انتقل إلى النصرانية إلى اليهودية أنه يُقتل، وهذا قول غريب، لم يقل به أحد من المحققين من أهل العلم، وإنما هو لقول قلة من الأئمة الفقهاء من أهل الرأي من الحنفية، وكذلك بعض الفقهاء من الشافعية والمالكية ... نعم [1] ... الله عز وجل حينما بيَّن ردة عبد الله بن أُبي في قوله سبحانه وتعالى: (قد كفرتم بعد إيمانكم) ، وهذا نص شرعي في بيان كفره، فمن كانت حاله كذلك يجب عليه أن تقام عليه الحدود وهو القتل، إلا من دُرأ بعلة، كما درأ النبي عليه الصلاة والسلام عنه ذلك، أما أن تُدرأ الحدود عن المرتدين بأمثال هذه العلة ... وهذه العلة قد يتشبَّث بها البعض، والمرتد إذا كانت حاله ظهرت بارتكاب شيء من

(1) هذا سائل يسأل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت