الصفحة 4 من 16

ومُحالٌ أن يحصل اليقين والبصيرة إلا من كتاب الله تعالى وسُنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكيف يَنال الهدى والإيمان من زعم أنّ ذلك لا يحصل بالقرآن، وإنّما يحصل من الآراء الفاسدة التي هي زبالة أذهان الغربيّين وغيرهم. فالتحاكم إلى شرع الله والمُتابعة للكتاب والسّنّة هي حقيقة دين الإسلام، الذي افترضه الله على العام والخاص، وهو حقيقة الشهادتين الفارقتين بين المؤمنين والكافرين، والسّعداء أهل الجنّة، والأشقياء أهل النّار، وهو الدّين الذي ارتضاه الله لنفسه وملائكته وأنبيائه ورسله، فيه اهتدى المُهتدون، وإليه دعا المُرسلون، فلا يتقبّل سبحانه من أحد دينا ً سواه من الأوّلين والآخرين، كما قال تعالى: {ومن يبتغ ِغير الإسلام دينا ًفلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.} [آل عمران:86] .

لنعلم أوّلا ًبأنّ لا عزّة ولا نُصرة للثّقلين في الدنيا والآخرة إلا بالرّجوع إلى الكتاب والسّنّة. وبعد هذا البيان، ليعلم كلّ من يريد أن يلقى الله وهو عنه راض ٍأنّ منهج الله القويم هو السّبيل الوحيد الذي يوصل إلى رضى الله والجنّة. فالتحاكم إلى شرع الله ركنٌ أصيل من أركان التوحيد، ومن ظنّ أنّ شرعا ًغير شرع الله، أو قانونا أرضيّا ًً يجوز التحاكم إليه، فقد اتخذ مع الله نِدّا ً وإلاها ًآخر، سواء زعم أنّه يُحب شرع الله ـ ولا شكّ بأنّه كاذب في دعواه هذه ـ أم لا يُحبّه، قال تعالى: {إن ِالحُكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إيَّاه.} [يوسف:40] .انظر وتأمّل في هذه الآية كيف أنّ الله تبارك وتعالى بيّن أنّ الحُكم والتحاكم إلى شرعه عبادة؛ فكما أنّ من يُصلي لغير الله، أو يصوم أو يحج لغير، الله أو يدعوغيرالله يكفر، فكذلك من يتحاكم لغير شرع الله يكفر، فكلّ هذه عبادات، ولا فرق بينها، ومن صرف أي نوع منها لغيرالله كفر بالإجماع.

قال الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيءٍ فردّوه إلى الله والرّسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلا ً.} [النساء:59] . قال ابن كثيرعند تفسير هذه الآية: (وقوله:*فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرّسول* قال مُجاهد وغير واحد من السّلف، أي: إلى كتاب الله وسُنّة رسوله، وهذا أمرمن الله عزّ وجلّ بأنّ كلّ شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يُردّ التنازع في ذلك إلى الكتاب والسّنّة، كما قال تعالى:*وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله* [الشورى:10] ، فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصّحة فهو الحقّ، وماذا بعد الحقّ إلا الضلال، ولهذا قال تعالى:*إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر*أي رُدّوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسُنّة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم، فدلّ على أنّ من لم يتحاكم في محلّ النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا ًبالله واليوم الآخر، وقوله:* ذلك خير* أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرّجوع إليهما في فصل النزاع خير، ,وقوله:* وأحسن تأويلا ً*أي وأحسن عاقبة ومآلا ً كما قال السُّدّي وغير واحد من السّلف، وقال مُجاهد: وأحسن جزاءً، وهو قريب.) ا. هـ.

قال تعالى: {فلا وربِّك لا يؤمنون حتى يُحكّموك قيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجا ًممّا قضيت ويُسلّموا تسليما ً.} [النساء:65] ، قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: (يُقسم تبارك وتعالى بنفسه الكريمة المقدّسة أن لا يؤمن أحد حتى يحكِّم الرّسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا ًوظاهرا ً، ولهذا قال:* ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجا ًممّا قضيت ويُسلموا تسليما ً*،أي إذا حكّموك، يُطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا ً ممّا حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيُسلِّمون لذلك تسليما ً كليّا ً من غيرمُمانعة ولا مُدافعة ولا مُنازعة.) ا. هـ. وقال ابن القيم عند تفسير هذه الآية: (أقسم سبحانه بأجلّ مُقسم به، وهو نفسه عزّ وجلّ على أنّه لا يثبت لهم الإيمان، ولا يكونون من أهله حتى يُحكم لرسوله الله صلى الله عليه وسلم في جميع موارد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت