الصفحة 3 من 16

أطاع غير الله، وقدّم شرعًا غير شرع الله على شرعه سبحانه، وهذا بلا شكّ يُفضي إلى الكفر، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى والرّدة بعد الإيمان. فكل من يتحاكم إلى غير شرع الله، يكون قد اتخذ ذاك الشّرع أو المُشرّع إلاها ً من دون الله تبارك وتعالى، وكل من عبد غير الله كفر بإجماع أهل السّنة والجماعة.

ما هي العبادة؟

العبادة ـ كما يُعرّفها أهل العلم ـ كابن تيميّة رحمه الله وغيره ـ هي: (اسم جامعٌ لكل ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.) ويدخل في مضمون العبادة كل ما أمر الله ورسوله به، أو نهى الله ورسوله عنه. لذلك تجد أنّ الله سبحانه عندما يأمر بأمر، يكون في نفس الوقت قد نهى عن ضدّه، فالله تعالى قد أمرنا بإقامة الصلاة وأخبر أنّ إقامتها من الإيمان، وبذلك يكون تركها منافيا ً للإيمان، وعليه فتاركها كافرلما في فعله (الترك) من مُنافاة للإيمان. وعندما ينهى الله عن أمر، يكون سبحانه قد أمربضدّه، فالله حرّم السّفاح (الزّنا) ، وأمربالنّكاح (الزّواج) الذي هو نقيض الزّنا، لذا فإنّ الله سبحانه وتعالى قد أمرنا بالإيمان (أركان الإيمان) ، والتزام أركان الإسلام، ونهانا عن ضدّ ذلك، وهوالإيمان بغيره وطاعة المخلوقين. فإذا عرفت هذا، لزمك أن لا تطيع ولا تعبد إلا الله، والتحاكم إلى شرع الله عبادة لله، كما أنّ التحاكم إلى غيرشرعه هوعبادة لغيره، وهذا هو الكفر والضلال، ولا يخفى ذلك إلا على من طمس الله بصيرته عن نور الوحيين ـ كتاب الله وسنّة رسوله عليه السّلام.

فالعبادة أصلُ معناها الذلّ والخضوع، ودين الله يعني: عبادته وطاعته والخضوع له. فالعبادة المأمور بها تتضمّن معنى الذلّ والحبّ: فهي تتضمّن غاية الذلّ له، بغاية المحبّة. هنا تساؤل بسيط: هل من يتحاكم إلى غير شرع الله، وإلى غير الكتاب والسّنّة، يكون قد خضع لله وذلّ له وأحبّه؟ أو أنّه خضع وذلّ لغير الله وأحبّ غيره، سواء زعم ـ بلسانه ـ الخضوع والذلّ والمحبّة لله أم لا؟ فهو يزعم أنّه مُحبٌّ لله ومع ذلك فهو يعبد غيره ويُطيع المخلوقين ويستمدّ التشريعات من أهواء البشر المُنتنة ورغبات العلمانيّين العفنة؟ فتأمّل هذا جيّدًا بارك الله فيك، {إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السّمع وهو شهيد.} [ق:37]

من هنا بيّن ابن تيميّة رحمه الله في كتابه"العبوديّة"أنّ من خضع لإنسان مع بُغضه له، لا يكون عابدًا له، ومن أحبّ شيئًا ولم يخضع له، لم يكن عابدا ً له. فلا بُدّ من اقتران هذين الأصلين (الخضوع والمحبّة) لحصول العبوديّة الحقّة لله وحده، إذ لا يستحقّ المحبّة والذلّ التّام إلا الله وحده. فالعبادة هي الغاية المحبوبة لله، والمرضيّة له، التي ما خلق السماوات والأرض إلا من أجلها، كما قال تعالى: {وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون.} [الذاريات:56] أي لآمرَهم وأنهاهم، كما فسّرها بعض السّلف، وقال تعالى: {ألا له الخَلق والأمر.} [الأعراف:54] ، وقال أيضا ً: {والله يحكم لا مُعقّب لحُكمه.} [الرعد:41] . وما أرسل الله جميع الرّسل إلا من أجل عبادته، كما قال نوحٌ عليه السلام لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيرُه.} [الأعراف:59] . ثمّ اعلم أنّ أصل العبادة المحبّة والخوف، وبهما ينشأ التزام الأمر وامتثاله، فالحبّ والخوف هما من أخصّ خصائص الألوهيّة، فلا قيام للعبوديّة إلا بهذين الأصلين، ولا شكّ أنّ من مقتضيات التعبّد الطاعة والانقياد والالتزام بالشّرائع. فلا طاعة من غير محبّة وخوف، كما لا عبادة من غير طاعة وانقياد.

فيا عجبا ً ممّن يزعُم أنّ الهداية والسّعادة لا تحصل إلا بالقرآن والسّنّة، والنّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يهتدِ إلا بذلك، ثمّ بعد ذلك تجده يحيلها على قول فُلان ورأي عِلان. لذلك فقد وجب على كلّ من عقل عن الله، وفهم دين الله أن يكون على بصيرة من دينه، كما قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن ِ اتّبعني وسُبحان الله وما أنا من المُشركين.} [يوسف:109] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت