فهرس الكتاب
1 ــ قال القاضي أبو يعلى الحنبلي (ولو أن أهل بلد قد خلا من قاض ٍ أجمعوا على أن قلدوا عليهم قاضيا ً، نظرت: فإن كان الإمام موجودا ً بطل التقليد، وإن كان مفقودا ً صحّ، ونفذت أحكامه عليهم. فإن تجدد بعد نظره إمام، لم يستدم النظر إلا بعد إذنه، ولم ينقض ماتقدم من حكمه. وقد نصّ أحمد رحمه الله تعالى على أن نفسَين لو حَكَّما عليهما نفذ حكمُه عليهما) (الأحكام السلطانية) ص 73. وموضع الاستشهاد هو قوله إذا كان الإمام مفقود ًا صحّ أن يوليَ الناس عليهم قاضيا ً.
2 ــ وقال الإمام السيوطي ــ وهو شافعي ــ (وقال ابن السبكي في(الترشيح) ذكر (الخوارزمي) في (الكافي) أن المتغلِّب على إقليم لو نصب قاضيا ً غير مجتهد أو غير عدل، والناس غير قادرين على دفعه هل تنفذ أحكامه وقضاياه من تزويج الأيامى والتصرف في أموال اليتامى؟ يحتمل وجهين:
أحدهما لا، وطريق المسلمين التحاكم إلى من هو من أهل القضاء في حوادثهم، فإن لم يجدوا أهلا ً نفذت أحكامه للضرورة.) (الرد على من أخلد إلى الأرض) للسيوطي، صـ 88، ط دار الكتب العلمية 1403 هـ.
3 ــ وقال ابن عابدين الحنفي في حاشيته (وإن فُقِدَ وال ٍ لغلبة الكفار، وجب على المسلمين تعيين والٍ وإمام للجمعة) . وقال أيضا ً (وأما بلاد عليها ولاة كفار فيجوز للمسلمين إقامة الجُمع والأعياد ويصير القاضي قاضيا ً بتراضي المسلمين، فيجب عليهم أن يلتمسوا واليا ً منهم) وقال أيضا (وإن لم يكن سلطان ولامن يجوز التقليد منه كما هو في بعض بلاد المسلمين كقرطبة الآن، يجب على المسلمين أن يتفقوا على واحد ٍ منهم فيجعلوه واليا ً، فيولي قاضيا ً ويكون هو الذي يقضي بينهم، وكذا ينصبوا إماما ً يصلي بهم الجمعة) (حاشية رد المحتار على الدر المختار) 4/ 308، وبعضه في 3/ 253.
4 ــ وقد تكلم إمام الحرمين الجويني عن هذه المسألة بإسهاب فقال (وقد حان الآن أن أفرض خلو الزمان عن الكفاة ذوي الصرامة، خلوه عمن يستحق الإمامة ــ إلى قوله ــ أما مايسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم، ولكن الأدب يقتضي فيه مطالعة ذوي الأمر، ومراجعة مرموق العصر، كعقد الجُمَع وجرّ العساكر إلى الجهاد، واستيفاء القصاص في النفس والطرف، فيتولاه الناس عند خلو الدهر ــ إلى قوله ــ وإذا لم يصادف الناس قَوَّاما ً بأمورهم يلوذون به، فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عمّا يقدرون عليه من دفع الفساد، فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن، عمّ الفساد البلاد والعباد ــ إلى قوله ــ وقد قال بعض العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان فحقّ على قطّان كل بلدة وسكان كل قرية أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهى، وذوي العقول والحجا من يلتزمون امتثال إشاراته وأوامره، وينتهون عند مناهيه ومزاجره، فإنهم لو لم يفعلوا ذلك ترددوا عند إلمام المهمات وتبلدوا عن إظلال الواقعات ــ إلى قوله ــ ثم كل أمر يتعاطاه الإمام في الأمور المفوضة إلى الأئمة. فإذا شغر الزمان عن الإمام، وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية، فالأمور موكولة إلى العلماء، وحقّ على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك فقد هدوا إلى سواء السبيل، وصار علماء البلاد ولاة العباد. فإن عسر جمعهم على واحد استبد أهل كل صقع وناحية باتباع عالمهم، وإن كثر العلماء في الناحية، فالمتبع أعلمهم، وإن فرض استواؤهم ففرضهم نادر لا يكاد يقع، فإن اتفق فإصدار الرأي عن جميعهم مع تناقض المطالب والمذاهب محال، فالوجه أن يتفقوا على تقديم واحد منهم. فإن تنازعوا وتمانعوا وأفضى الأمر إلى شجار وخصام فالوجه عندي في قطع النزاع الإقراع، فمن خرجت له القرعة قُدِّم) ص 385 ــ 391.
* ثم قال الجويني إنه إذا خلا الزمان عن العلماء المجتهدين ولم يبق إلا نقلة مذاهب الأئمة قال: (إن الفقية الذي وصفناه يحل في حق المستفتي محل الإمام المجتهد الراقي إلى الرتبة العليا في الخلال المرعية) ص 427 (الغياثي) ط 2 تحقيق د/ عبدالعظيم الديب 1401هـ.