فهرس الكتاب
ومعنى كلام الجويني رحمه الله أنه يُستفتى الأمثل فالأمثل، فإن وُجِدَ المجتهد لم يجز استفتاء المقلد، وإلا جاز. وكذلك في التحكيم يُتحاكم إلى الأعلم فمن دونه، وقال ابن القيم رحمه الله (ونظير هذه المسألة إذا لم يجد السلطان من يوليه القضاء إلا قاضيا عاريا من شروط القضاء لم يعطل البلد عن قاض وولي الأمثل) . ا. هـ. (اعلام الموقعين) جـ 4 صـ 196 ــ 197. ولابن تيمية كلام مثل هذا في (الاختيارات الفقهية) صـ 332.
فهذه هى أقوال السلف فيما إذا خلا الزمان عن الإمام الأعظم أنه يجب على أهل كل بلد وناحية أن يتحاكموا إلى أهل العلم فيهم من المجتهدين، فإن عُدِموا احتكموا إلى الأمثل فالأمثل. وخطاب الله بإقامة الأحكام موجّه إلى مجموع الأمة، قال تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة:38] ، وقال تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا} [النور:2] وغيرها، وينوب الإمام عن الأمة في تنفيذ هذا، كما في الحديث الصحيح"إنما الإمام جُنَّة"الحديث متفق عليه، وفيه أيضا ً"فالإمام الأعظم الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته"الحديث متفق عليه، فإذا فُقِد الإمام يرجع الخطاب إلى مجموع الأمة فيقدم الناس من يتحاكمون إليه ممن يصلح لهذا. وقال أحمد بن حنبل (لابد للناس من حاكم، أفتذهب حقوق الناس؟) ذكره أبو يعلى في (الأحكام السلطانية) صـ 24، 71، وذلك لأنّ نُصْبَة القضاة من فروض الكفاية لحفظ العدل وإن لم يقم به البعض أثم الكل، قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط} [النساء:135] ، وقال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد: 25] .
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى هذا المعنى أوضح إشارة، وهو أن الأحكام والحدود مخاطب بها مجموع الأمّة، ويقيمها السلطان ذو القدرة، فإن عُدِم السلطان وأمكن إقامتها ــ إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها ــ فهذا هو الواجب، فقال رحمه الله:(خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابا ً مطلقا ً، كقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة:38] ، وقال تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا} [النور:2] . وكذلك قوله: {ولاتقبلوا لهم شهادة أبدا ً} [النور:4] ، لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لابد أن يكون قادرا ًعليه، والعاجزون لايجب عليهم، وقد عُلِمَ أن هذا فرض على الكفاية، وهو مثل الجهاد، بل هو نوع من الجهاد. فقوله: {كتب عليكم القتال} [البقرة:216] ، وقوله: {وقاتلوا في سبيل الله} [البقرة:190] ، وقوله: {إلا تنفروا يعذبكم} [التوبة:39] ونحو ذلك هو فرض على الكفاية من القادرين. و «القدرة» هي السلطان، فلهذا: وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه.
والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد، والباقون نوابه، فإذا فُرِضَ أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها، وعجزٍ من الباقين، أو غير ذلك، فكان لها عدة أئمة، لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق.
وقول من قال: لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل، كما يقول الفقهاء: الأمر إلى الحاكم، إنما هو العادل القادر، فإذا كان مُضَيِّعا ً لأموال اليتامي، أوعاجزا ً عنها: لم يجب تسليمها إليه مع إمكان حفظها بدونه، وكذلك الأمير إذا كان مضيعا ً للحدود أو عاجزا ًعنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه. والأصل أن هذه الواجبات تُقام على أحسن الوجوه؛ فمتى أمكن إقامتها مع أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان، أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من «باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية مايزيد على إضاعتها لم يدفع بأفسد منه. والله أعلم) (مجموع الفتاوى جـ 34 صـ 175، 176) .