فهرس الكتاب
فهذه أقوال العلماء في بيان وجوب اتفاق الناس على إقامة الأحكام بينهم ــ ما أمكنهم ذلك ــ زمن غياب الإمام، على أن يُحَكِّموا بينهم من يصلح للقضاء الشرعي الأمثل فالأمثل.
ثالثا: كيفية تحاكم المسلمين إلى الشريعة في البلاد المحكومة بقوانين الكفار:
في البلاد المحكومة بالقوانين الوضعية يجب على المسلمين التحاكم إلى الشريعة بحسب المستطاع، فقد قال تعالى: {فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65] ، وقال تعالى: {فاتقوا الله مااستطعتم} [التغابن:16] .
وهنا أربع مسائل: من يجب عليه ذلك؟، وصفة من يتحاكم إليه؟، ومايجوز فيه التحكيم؟، وحرمة الامتناع عن التحاكم إلى الشرع.
1 ــ من يجب عليه التحاكم إلى الشريعة؟.
ولايخفى أن هذا فرض عين على كل مسلم إذا نزل به مايدعو إلى ذلك، فإنّ هذا التحاكم من أصل الإيمان كما أسلفت. ولكني أودّ أن أنبه هنا على واجب قادة الجماعات والجمعيات الإسلامية المختلفة في هذا الشأن، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته."و الحديث متفق عليه، فيجب على هؤلاء القادة أن يُلزموا أتباعهم بهذا الواجب الشرعي، ويجب أن تتضمن عقود هذه الجماعات النص على هذا الواجب فيصير التحاكم بذلك واجبا ًعلى الأتباع من ثلاثة أوجه:
* يصير واجبا ً بالشرع، لقوله تعالى {فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء:65.]
* وواجبا ً بالعقد، لقوله تعالى {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ً} [الإسراء:34] .
* وواجبا ًبأمر قادة الجماعات به، لقوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء:59] .
ومايجب على قادة الجماعات من أمرأتباعهم بذلك هو واجب على كل مطاع ٍ كشيوخ القبائل وزعماء العشائر ونحوهم.
2 ــ صفة من يتحاكم إليه؟.
يتحاكم إلى الأمثل فالأمثل، والأصل في الحاكم أن يكون مجتهدًا، لحديث عمرو بن العاص رفعه"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب ..."الحديث متفق عليه. فإن عُدِمَ، يتحاكم إلى المقلد وطالب العلم كماسبق في كلام الجويني وابن تيمية وابن القيم، قال القاضي برهان الدين بن فرحون (قال اللخمي إنما يجوز التحكيم إذا كان المحكَّم عدلا ً من أهل الاجتهاد أو عاميا ً واسترشد العلماء، فإن حَكَم ولم يسترشد رُدَّ وإن وافق قول قائل، لأن ذلك تخاطر منهما وغَرَر) (تبصرة الحكام) 1/ 63.
فالواجب التحاكم إلى الأمثل فالأمثل ولايجوز تعطيل هذا الواجب ماأمكن إقامته، وهنا يقع عبء كبير على المسلمين عامة، وعلى ولاة الأمور منهم خاصة، كقادة الجماعات والجمعيات الإسلامية من أجل توفير عدد كاف ٍ من المؤهلين للتحكيم بين المسلمين، فالواجب على كل من ظهرت لديه نجابة في طلب العلم أن يَنكبَّ على دراسة الفقه وعلوم الوسائل الممهدة له حتى يتأهل للحكم بين المسلمين، ويجب على قادة الجماعات الإسلامية انتداب من كان بهذه الصفة من أتباعهم لطلب العلم وكفالته ماديا ً ليتفرغ لهذا الأمر.
3 ــ ما يجوز فيه التحكيم؟.
الراجح الذي تشهد له الأدلة أن التحكيم جائز في كل شيء، ودليله: