الصفحة 16 من 28

وكلام القاري هذا وقبله كلام القاضي عياض والغزالي رحمهم الله جميعا محمول على وجود وجه شرعي معتبر على عدم تكفير المسلم من جهل أو إكراه أو تأويل يعذر به، وإلا فإن الله تبارك وتعالى قد رد أعذار أقوام قد وقعوا في الكفر والمعصية، ولم يقبلها منهم، قال تعالى: (يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم) [1] ، وقال تعالى: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) [2] ، وقال تعالى: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا) [3] ، إلى غير ذلك من الآيات التي رد الله تعالى فيها الاعتذار بالأهل والعشيرة والوطن.

ومنها الآية التي يسميها العلماء آية الأعذار الثمانية، والمقصود آية إبطال الأعذار الثمانية، وهي قوله تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتيَ اللهُ بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) [4] ، هذا وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على هذه الأعذار وبيان المقبول منها من غير المقبول في الباب الثامن من هذا الكتاب.

ومثل ما يقال في كلام القاري هذا يقال أيضا في كلام ابن عابدين حيث قال رحمه الله: قال في الفتاوى الصغرى: والكفر شيءٌ عظيم، فلا أجعل المؤمن كافرا متى وجدت رواية أنه لا يكفر، وفي الخلاصة وغيرها: إذا كان في المسألة وجوه توجب التكفير ووجه واحد يمنعه، فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير تحسينا للظن بالمسلم، زاد في البزازية: إلا إذا صرح بإرادة موجب الكفر فلا ينفعه التأويل.

والذي تحرر أنه لا يُفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن، أو كان في كفره اختلاف ولو رواية ضعيفة. اهـ [5]

وقوله إلا إذا صرح بإرادة موجب الكفر محمول على ما لم يكن صريحا من الأقوال

(1) سورة التوبة، الآية: 94.

(2) سورة التوبة، الآية: 65، 66.

(3) سورة التوبة، الآية: 49.

(4) سورة التوبة، الآية: 24.

(5) رد المحتار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن عابدين ج4/ 224 ط: دار الفكر، راجع البحر الرائق لابن نجيم ج5/ 135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت