فهرس الكتاب
والأفعال، فإن ألفاظ الكنايات والأفعال المحتملة ـ غير الصريحة ـ إما أن تُلحق بالصريح إذا عُلمت نية المتكلم أو تهدر، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في حكم السب غير الصريح في الباب الخامس من الجزء الثاني من هذا الكتاب.
هذا ولا يجوز الاحتجاج بمثل هذا الكلام على المنع من تكفير فاعل أو قائل الكفر مطلقا بغير ما ذكرناه سابقا مجملا من الشروط والقيود، كما يفعل ذلك من قلَّ نصيبه من العلم، لأن ذلك سيهدر أبوابا عظيمة من فقه المسلمين، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على هذه الشروط والقيود في مسائل الإكراه والتأويل والجهل.
ومن راجع حاشية ابن عابدين نفسه وجد الدليل على صحة ذلك، فقد ذكر فيها كثيرا من الأقوال والأفعال المكفرة، وجزم بذلك مع أنه قد يكون فيها خلافٌ بين العلماء أو يكون الراجح خلاف ما قرر، فالواجب في هذا الباب إنما هو التحرز من تكفير المسلم الذي ثبت إسلامه بيقين بغير دليل قوي صحيح أو برهان مرضي، وقد سبق بيان ذلك والله تعالى أعلم.
فائدة
قال ابن تيمية رحمه الله: ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [1] ، وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم.
والخوارج المارقون الذين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفار، ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم.
(1) سورة البقرة، الآية: 286.