الصفحة 18 من 28

وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسوله بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين أشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم، فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن تكفر الأخرى ولا تستحل دمها ومالها وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضا وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعا جهال بحقائق ما يختلفون فيه.

والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض لا تحل إلا بإذن الله ورسوله قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خطبهم في حجة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) [1] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ذمة الله ورسوله) [2] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار) قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال (إنه أراد قتل صاحبه) [3] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) [4] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (إذا قال المسلم لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) وهذه الأحاديث كلها في الصحاح.

وإذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:

(1) هذا اللفظ جزء من الحديث الوارد في خطبة النبي في حجة الوداع والحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وابن ماجة والطبراني وابن خزيمة وابن حبان وأبو داود والبيهقي وأبو يعلى والدارمي وغيرهم.

(2) رواه البخاري عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته) ، ورواه عنه أيضا بلفظ (من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم) وقد قال ابن الجوزي انفرد به البخاري وأظنه وهم في هذا فالحديث عند النسائي والبيهقي والطبراني عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم) .

(3) رواه البخاري باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما ورواه أيضا مسلم وأبو داود والنسائي وأحمد وابن ماجة بألفاظ متقاربة عن أبي بكرة وأبي موسى رضي الله عنهما.

(4) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وأحمد وابن ماجة وابن حبان والحاكم والطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي وأبو يعلى وابن أبي شيبة والبزار، والحديث عن عبد الله بن عمر وابن مسعود وجرير وابن عباس وأبو بكرة - رضي الله عنهم - أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت