الصفحة 19 من 28

(إنه قد شهد بدرا وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدل فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) وهذا في الصحيحين.

وفيها أيضا من حديث الإفك أن أسيد بن الحضير قال لسعد بن عبادة: إنك منافق تجادل عن المنافقين، واختصم الفريقان فأصلح النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم، فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم إنك منافق ولم يكفر النبي - صلى الله عليه وسلم - لا هذا ولا هذا بل شهد للجميع بالجنة.

وكذلك ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه قتل رجلا بعد ما قال لا إله إلا الله وعظم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لما أخبروه وقال: (يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله) وكرر ذلك عليه حتى قال أسامة: تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ومع هذا لم يوجب عليه قودا ولا دية ولا كفارة لأنه كان متأولا ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوذا.

فهكذا السلف قاتل بعضهم بعضها من أهل الجمل وصفين ونحوهم وكلهم مسلمون مؤمنون كما قال تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) [1] ، فقد بين الله تعالى أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعض إخوة مؤمنون وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل، ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضا مولاة الدين لا يعادون كمعاداة الكفار فيقبل بعضهم شهادة بعض ويأخذ بعضهم العلم عن بعض ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك.

وقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل ربه أن لا يهلك أمته بسنة عامة فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم فلم يعط ذلك، وأخبر أن الله لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم يغلبهم كلهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضا وبعضهم يسبي بعضا، وثبت في الصحيحين لما نزل قوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) قال - صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك: (أو من تحت أرجلكم) قال - صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض) قال - صلى الله عليه وسلم: هاتان أهون.

(1) سورة الحجرات، الآية: 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت