فمعناها: لا معبود حقٌّ إلا الله قال تعالى لكليمه موسى - عليه السلام: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] ، وهي تشتمل على ركنين:
الأول: النفي في قوله: لا إله، نافيًا جميع ما يعبد من دون الله.
الثاني: الإثبات في قوله: إلا الله، مُثبتًا العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته كما أنه لا شريك له في مُلكه وربوبيته.
فلا يتم التوحيد إلا بهذين الركنين قال الله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256] ، وقال سبحانه: {أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، وجاء في صحيح الإمام مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله) .
والطاغوت: هو كل ما تجاوز به العبد حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ.
فالمعبود: مثل الأصنام.
والمتبوع: مثل الكُهَّانُ، والسحرة، وعلماء السوء.
والمطاع: مثل الطواغيت المعاصرة كالمحاكم القانونية سواءً أكانت إقليميَّةً أو محليَّةً أو عالميَّةً، وكالحكومات الطاغوتية، وكالحكَّامِ المُشركين، وكالمجالس التشريعية البرلمانية وأمثالها، فإذا اتخذهم الإنسان أربابًا يُحلُّ ما حرَّم الله من أجل تحليلهم له، ويُحرِّم ما أحلَّ الله من أجل تحريمهم له فهؤلاء طواغيت، والفاعل عابدٌ للطاغوت قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا} [النساء:60] ، وقال سبحانه: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31] عن عدي بن حاتم رضي الله عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} الآية، قال: (فقلت له: إنا لسنا نعبدهم) قال: (أليس يُحرِّمون ما أحلّ اللهُ فتُحرِّمونَهُ، ويُحلُّونَ ما حرّمَ الله فتُحلُّونَهُ؟) فقلت: (بلى) قال: (فتلك عبادتهم) رواه الترمذي، وقد أجمع أهل العلم على تفسير هذه الآية بما جاء في الحديث.
ويدخل في الكفر بالطَّاغوت معاداته و بغضه، وعدم الرِّضى بعبادته بوجهٍ من الوجوه قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4] ، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ} [الزمر: 17] .
قال ابن القيم رحمه الله: (وكلُّ آيةٍ في القرآن، فهي داعيةٌ إلى هذا التوحيد، شاهدةٌ به، متضمِّنةٌ له؛ لأن القرآن:
-إما خبرٌ عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو توحيد الرُّبوبيَّة، وتوحيد الصِّفات.