الصفحة 2 من 7

قال شيخ الإسلام رحمه الله:(فنقول: قد فرّق النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام بين مسمّى «الإسلام» ومسّمى «الإيمان» ومسمّى «الإحسان» . فقال: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبلًا» . وقال: «الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه» .

و «الفرق» مذكور في حديث عمر الذي انفرد به مسلم، وفي حديث أبي هريرة الذي اتّفق البخاري ومسلم عليه، وكلاهما فيه: أن جبريل جاءه بصورة إنسان أعرابي فسأله، وفي حديث عمر: أنّه جاء في صورة أعرابيّ.

وكذلك فسّر «الإسلام» في حديث ابن عمر المشهور، قال: بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان».

وحديث جبريل بيّن أن الإسلام المبني على خمس هو الإسلام نفسه، ليس المبني غير المبني عليه، بل جعل النبيّ صلى الله عليه وسلم الدين ثلاث درجات: أعلاها الإحسان وأوسطها الإيمان ويليه الإسلام، فكلّ محسن مؤمن، وكلّ مؤمن مسلم، وليس كلّ مؤمن محسنًا ولا كلّ مسلم مؤمنًا، كما سيأتي بيانه -إن شاء الله- في سائر الأحاديث.

كالحديث الذي رواه حماد ابن زيد، عن أيّوب عن أبي قلابة عن رجل من أهل الشام عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: «أسلم تسلم. قال - أي الرجل- وما الإسلام؟ قال صلى الله عليه وسلم: أن تسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك. قال: فأيّ الإسلام أفضل؟ قال صلى الله عليه وسلم: الإيمان، قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت. قال: فأيّ الإيمان أفضل؟ قال صلى الله عليه وسلم: الهجرة. قال: وما الهجرة؟ قال صلى الله عليه وسلم: أن تهجر السوء. قال: فأيّ الهجرة أفضل؟ قال صلى الله عليه وسلم: الجهاد. قال: وما الجهاد؟ قال صلى الله عليه وسلم: أن تجاهد -قال- أو تقاتل الكفّار إذا لقيتهم، ولا تغلل، ولا تجبن» . ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عملان هما أفضل الأعمال، إلاّ من عمل بمثلهما -قالها ثلاثًا-: حجّة مبرورة أو عمرة» [[1] ].

ولهذا يذكر هذه «المراتب الأربعة» فيقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هجر السيّئات والمجاهد من جاهد نفسه لله» . وهذا مرويّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث عبدالله بن عمر وفضالة بن عبيد وغيرها بإسناد جيّد وهو في السنن وبعضه في الصحيحين. وقد ثبت عنه من غير وجه أنّه قال صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» . ومعلوم أنّ من كان مأمونًا على الدماء والأموال؛ كان المسلمون يسلمون من لسانه ويده، ولولا سلامتهم منه لما ائتمنوه) .

ولا يزال شيخ الإسلام يقدّم الدليل تلو الدليل، ليبيّن المسألة ويحقّق المناط، ويزيل الأرباط والعقد عن عقول صدأت بالقيل والقال، وصُدّت عن السبيل، قبل أن يخوض الشيخ رحمه الله ورضي عنه معهم في إبطال باطلهم وإثبات أن منهج أهل الحقّ والصواب، أهل السنّة والجماعة، هو المنهج الذي يجب على الناس سلوكه، واتّباعه، شرعًا وعقلًا وفطرةً، والله وليّ التوفيق.

وإلى لقاء قادم نكمل فيه الحديث عن الإيمان وحقيقته وموقف الناس منه.

عن مجلة نداء الإسلام

(1) رواه أحمد ومحمد بن نصر، وهو صحيح بمجموع طرقه واختلاف ألفاظه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت