الصفحة 4 من 7

ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانًا بالله سبحانه بدون إيمان القلب: (أي التصديق والاقرار الذي لا شك فيه) فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان، وفي المسند عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بالإسلام علانية، والإيمان في القلب» [[1] ]، وقال صلى الله عليه وسلم: «بإن في الكبد مضغة، إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب» [[2] ]. فمن صلح قلبه صح جسده قطعًا بخلاف العكس.

وقال سفيان بن عيينة رحمه الله (إمام المحدثين في مكة، من الحفاظ الكبار) : كان العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات: من أصلح سريرته، أصلح الله علانيته. ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله بينه وبين الناس. ومن عمل لآخرته، كفاه الله أمر دنياه» [[3] ].

فعلم أن القلب إذا صلح بالإيمان، صلح الجسد بالإسلام، وهو من الإيمان ما يدل على ذلك أنه قال في حديث جبرائيل: «بهذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم» [[4] ]فجعل الدين هو الإسلام، والإيمان، والإحسان. فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة، كمن هو درجات ثلاث: «بمسلم» ثم «بمؤمن» ثم «بمحسن» كما قال تعالى {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ... الآية} .

والمقتصد والسابق بالخيرات كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة، بخلاف الظالم لنفسه. وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب، ولكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن، فإنه معرض للوعيد كما سيأتي بيانه.

وأما الإحسان فهو أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإيمان. والإيمان أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإسلام. فالاحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخص من المؤمنين والمؤمنون أخص من المسلمين. وهذا كما يقال في «بالرسالة والنبوة» فالنبوة داخلة في الرسالة والرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة أهلها. فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، فالأنبياء أعم والنبوة نفسها جزء من الرسالة فالرسالة تتناول النبوة وغيرها، بخلاف النبوة فإنها لا تتناول الرسالة.

والنبي صلى الله عليه وسلم فسر «بالإسلام والإيمان» بما أجاب به؟ كما يجاب عن المحدود بالحد، إذا قيل ما كذا؟ قيل: كذا وكذا. كما في الحديث الصحيح لما قيل: ما الغيبة؟ قال: «بذكرك أخاك بما يكره» [[5] ]والحديث الآخر قال: «بالكبر بطر الحق وغمط الناس» [[6] ].

وبطر الحق: حجبه ودفعه، وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم.

وسنذكر إن شاء الله سبب تنوع أجوبته، وأنها كلها حق.

قال مقيّده عفا الله عنه:

ومعنى الحد، والمحدود، هنا المعرّف والمعرف به. وهذه من المصطلحات التي درج عليها العلماء في ذلك الزمان وقبله بزمان، يوم دخلت هذه المصطلحات مع علم الكلام والجدل واستعملت ألفاظ تفيد غايات معينة عند أصحاب كل فن من الفنون. ولكن لمعنى اللفظة معان أخرى منها ما هو صحيح كالحد: بمعنى حدود الأرض والبلد وحدود الحرم مثلًا ومنها ما يتوقف فيه حتى يفسر أي المعاني المرادة له قالها فهي من المجملات التي لا يجوز نفيها ولا إثباتها قبل البيان والتثبت. مثل قول بعضهم في كتب الكلام والحديث عن الذات الإلهية المقدسة هو غير محدود.

وإلى لقاء آخر إن شاء الله مع قراءة أخرى من قراءات في كتاب الإيمان.

والله وحده أسأل أن يجعل ذلك مما ينتفع به ويجلّي حقائق غفل عنها بعض المسلمين وجهلها آخرون.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

عن مجلة نداء الإسلام

(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده وهو ضعيف

(2) صحيح من حديث طويل عن النعمان في البخاري وغيره

(3) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الاخلاص

(4) رواه مسلم عن عمر رضي الله عنه

(5) أخرجه أبو داود وصححه الألباني، صحيح الجامع 4063

(6) أخرجه أبو داود والحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع 4484

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت