إذا فعل ذلك فإنه يرتدع عن أن يفعل أية ذنب ولو كان صغيرا يصر عليه؛ بل يحجزه إيمانه ويقينه عن مثل هذه المحرمات وما أشبهها، في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت؛ يعني تستحضر أن ربك تعالى عالم بك وأنه يراقبك، وأنه يطلع على قلبك، وعلى ما فيه، تتذكر قول الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [سورة ق، الآية: 16] إذا استحضرت ذلك فلا بد أن تحاسب نفسك، وأن ترتدع عن أية ذنب صغير أو كبير؛ لأنك تعرف أن ربك قد حرم هذه الذنوب، وأنه قد توعد بالعقوبة عليها، فلا يمكن أن يقدم عليها العاقل الذي يعرف الله تعالى ويعرف عظمته، ويعرف وعده ووعيده.
ظهرت آثار ذلك على أهل الإيمان الصحيح، ذكروا: أن رجلا خلى بامرأة ليزني بها، فقال لها: أغلقي الأبواب، فلما أغلقت البواب قالت: بقي باب واحد ما هو؟ قالت: الذي بيننا وبين الله، ارتعد لذلك، وترك هذا؛ لأنه عرف أن الله تعالى لا يستر بصره حجاب، ولا يغلق دونه باب؛ فإنه عالم بالعباد.
وذكروا: أن رجلا راود امرأة على نفسها في ليلة مظلمة، فقال: ما يرانا إلا الكواكب فقالت: فأين مكوكبها؟؛ يعني أين الله الذي كوكبها؟ يعني خلقها وسيرها.
وجاء جماعة إلى راعي غنم وطلبوا منه أن يبيع، أو يعطيهم شاة من غنمه الذي هو يرعاها، فقالوا له: إذا سألك سيدك فقل أكلها الذئب، فقال ذلك الراعي: فأين الله؟ يعني أنني أكون بذلك قد كذبت، والله تعالى عالم بكذبي؛ فيكون ذلك من الكذب على الله. استحضر أن ربه سبحانه سيحاسبه على هذا، وأنه لا يخفى عليه من أمور عباده خافية.
وفي حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار يقول: «قال أحدهم: اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، وإني طلبتها إلى نفسها فأبت، فألمت بها سنة من السنين، فجاءت فأعطيتها مائة دينار، فلما قعدت بين رجليها قالت: يا عبد الله، اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه» لما قالت له هذه الموعظة عرف أن الله تعالى حرم ذلك عليه؛ فارتعدت فرائصه، وتاب وترك ما كان أعطاها، وأقلع عن هذا الفعل. هكذا يكون أثر هذا الاستحضار؛ أثر العقيدة التي رسخت في القلب تمنع أصحابها من أن يتجرءوا على المعصية.