فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فأي تقديم بين يدي الله ورسوله أوقح وأقبح من هذا التقديم بما شرع هؤلاء من عند أنفسهم وقهروا الأمة على اتباعه؟
وإذا كان مقتضى الإيمان أن لا يكون للعبد خيرة من أمره في أمر قضاه الله ورسوله، فأي خروج على مقتضى الإيمان، بل أي مروق من الدين أبوح وأفضح من إلزام الناس بخيار الجاهلية، فضلا عن إعطائهم الخيرة بينهما وبين الإسلام؟ أفحكم الجاهلية يبغون؟ ما كان لهم الخيرة.
الوجه الرابع: أن الشرك في التشريع مناقض للتوحيد كله، لأنه يقتضى جحد ربوبية الله، ومنازعته-سبحانه-في ألوهيته، ومضاهاة بعض خلقه به في أسمائه وصفاته.
أما جحد ربوبية الله: فلأن جعل الأمر لغير الله: هو كجعل الخلق لغير الله .. قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} . [1]
وأما منازعته ألوهيته سبحانه: فلأن أخص خصائص الألوهية: الحكم والتشريع، فمن اتخذ مشرعا غير الله فقد أعطى هذا الغير الحق في التأله على من يشرع لهم وقد استفضنا في هذا في الوجه الأول، والفرق بين ها وذاك أن كلامنا في الوجه الأول كان عن خصيصة التشريع خاصة، وهاهنا عن لازمها وهو منازعة الله في ألوهيته.
وأما مضاهاة بعض خلقه به في أسمائه وصفاته سبحانه: فلأن من أسماء الله تعالى: الحكم، وأنه الملك، وأنه العدل ومن ابتغى العدل بمناقضة حكمه كفر، ومن صفاته أن له الأمر، وأن له الحكم، وأنه قيوم السماوات والأرض، وأن مالله رب، وأن المخلوق عبد، فإعطاء المخلوق شيئا من حقوق الموصوف بالكمال سبحانه، هو ترخيص للمخلوق في أن يتصف بصفات الخالق أو بعضها.
(1) سورة الأعراف، رقم الآية: (54) .