فهرس الكتاب
السؤال التاسع والعشرون: هل تعني أن الإيمان: اعتقاد بالجنان ونطق باللسان [1] وعمل بالأركان؟
الجواب: نعم، هذا صحيح-لكن لو قلت: وعمل بالجوارح لكان أشمل-وهذا هو قول عامة السلف ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وخالفهم أبو حنيفة، والجهمية، والأشاعرة.
السؤال الثلاثون: كيف خالفهم أبو حنيفة؟
الجواب: أبو حنيفة-رحمه الله-يقول: (الإيمان، وهو: الاعتقاد، والنطق، والعمل من لوازم الإيمان ولا يدخل في مسماه) ، وهذا ليس صحيحًا مثله مثل مذهب الأشاعرة تقريبًا، والجهمية، والكرامية وغيرهم.
ومع ذلك فنحن نحترم أبا حنيفة، وتلميذيه، ونترحم عليهم، ولا نكفرهم كما يفعل بعض الغلاة، فقد ذكرت في كتابي: (إتحاف الطالب بمراتب الطلب) (ص:1037/ 1041) ما نصه: (7 - وسابع يكفر الإمام أبا حنيفة-رحمه الله تعالى- [2] .
(1) -أعمال اللسان تشتمل على سبع خصال هي التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم وتعليمه، وهو نوع من انواع الجهاد، والدعاء والذكر، ويدخل فيه الاستغفار واجتناب اللغو، وأعمال البدن، تشتمل على ثمان وثلاثين خصلة، منها: ما يختص بالأعيان، وهي خمس عشر خصلة! التطهيرحسًا وحكمًا، ويدخل فيه اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضًا ونفلًا، والزكاة كذلك، وفك الرقاب، والجود ويدخل فيه إطعام الطعام، وإكرام الضيف، والصيام فرضًا ونفلًا، والطواف فرضًا ونفلًا، والاعتكاف، والتماس ليلة القدر، والفرار بالدين، ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك، والوفاء بالنذر، وأداء الكفارات بأنواعها الخمسة.
اعلم أن (لا إله إلا الله) بين اعتقاد القلب ونطق اللسان والعمل بالأركان! -بالجوارح-، فكلمة: (لا إله إلا الله) أساس الإيمان، وباب التوحيد، وشرط الإسلام الأول، وهي في القلب إيمان ومع الجوارح ترجمان، والمقصود التصديق بالقلب، والعمل بالجوارح، وهي محتوية على نفي وإثبات، فالمنفي كل فرد من أفراد حقيقة الالوهية غير مولانا عز وجل وأتى بـ (لا. إلا) أسلوب الاستثناء المنفي لقصر حقيقة الإله على الله تعالى، وهو الواجب الموجود المستحق للعبادة-المعبود بحق-، وهو الخالق المستغنى عن كل ما سواه المفتقر إليه كل ما عداه ...
(2) -وقد بينت أن الإمام أبا حنيفة-رحمه الله-تكلم فيه العلماء من حيث عقيدته الإرجائية، وأنه ضعيف في الحديث، أما الفقه فإمام فيه لا يجارى، ومما قلته في هامش كتابي: (شفاء التبريح ... ) (ص:1145/ 1147) -في بيان السبب الباعث للأحناف على الطعن الشديد في الإمام ابن عدي-فقلت: (قال شيخنا أبو غدة: هو الحافظ الكبير أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرُجاني، الشافعي المولود سنة 277/ والمتوفى سنة 365/ عن 88 سنة، قال شيخنا(الإمام) الكوثري .. في تقدمة (نصب الراية) (ص:57) ، و (فقه أهل العراق وحديثهم) (ص:83) ، تحت عنوان: كلمة في الجرح والتعديل: (نجد في(الكامل) لابن عدي كلامًا كثيرًا عن هوىً في سادتنا أئمة الفقه، لتعصبه المذهبي عن جهل، مع سوء المعتقد!!،
انظر قوله في (إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي) شيخ الشافعية: نظرت الكثير من حديثه، فلم أجد له حديثًا منكرًا-انظر 1/ 217/إلى225/ حيث قال ابن عدي: قال لي أحمد بن محمد بن سعيد: نظرت في حديث إبراهيم بن أبي يحيى كثيرًا، وليس هو بمنكر الحديث. قال ابن عدي: وهذا الذي قاله كما قال، وقد نظرت أنا أيضًا في حديثه الكثير، فلم أجد فيه منكرًا إلا عن شيوخ يحتملون ...
وقال أيضًا: وهذا الذي قاله ابن سعيد، كما قال، وقد نظرت أنا في أحاديثه، وسجرتها وفتشتُ الكل منها فليس فيها حديث منكر. وإنما يروي المنكر إذا كان العهدة من قبل الراوي عنه، أو: من قبل من يروي إبراهيم عنه، وكأنه أُتي من قبل شيخه لا من قبله، وهو في جملة من يكتب حديثه، وقد وثقه الشافعي وابن الأصبهاني وغيرهما.
انتهى كلام ابن عدي فما نقله الكوثري أو: تلميذه أبو غدة ناقصًا وهما لا يوثق بهما ولا بنقلهما فتأمل-قال الكوثري: مع أنك تعلم أقوال أهل النقد فيه، كأحمد وابن حبان، والعجلي: (مدني رافضي جهمي، قدري، لا يكتب حديثه) بل: كذبه غير واحد من النقاد، ولولا أن الشافعي كان يكثر منه قدر إكثاره من مالك، لما سعى ابن عدي في تقوية أمره، استنادًا إلى قول مثل ابن عقدة.
ولا أدري كيف ينطلق لسان ابن عدي بالاستغناء عن علم مثل (محمد بن الحسن) ؟. وإمامه لم يستغن عن علمه، بل: به تخرج في الفقه -!!! -لكن المتشبع بما لم يُعْط يستغني عن علم كل عالم، مُتَقَمْقِمًا في جهالاته، غير ناظر إلى ما وراءه وأمامه، وهكذا يصنع مع سائر أئمتنا كلهم، ألهمهم الله سبحانه مُسامحته، ومن معايب (كامل) ابن عدي: طعنه في الرجل بحديث، مع أن آفته الراوي عن الرجل دون الرجل نفسه، وقد أقر بذلك الذهبي في مواضع من (الميزان) -
1 -منها في: (2/ 629) ، في ترجمة: (عبد العزيز بن أبي رَوّاد) ، فبعد أن ساق الذهبي فيها حديثًا باطلًا من طريق ابن عدي إلى عبد العزيز بن أبي روّاد، قال: (هذا من عيوب كامل ابن عدي، يأتي في ترجمة الرجل بخبر باطل، لا يكون حدث به قط، وإنما وُضع من بعده) .
2 -ومنها في: (3/ 331) ، في ترجمة (غالب بن خُطَّاف البصري) ، قال الذهبي فيها بعد أن ساق حديثًا موضوعًا أورده ابن عدي في ترجمته: (فما أنصف ابن عدي في إحضاره هذا الحديث في ترجمة غالب، وغالب من رجال(الصحيحين) وقد قال فيه أحمد بن حنبل: ثقة، ثقة).
3 -ومن هذا القبيل: كلامه في أبي حنيفة في مروياته البالغة-عند ابن عدي-ثلاثمائة حديث! وإنما تلك الأحاديث من رواية آباء ابن جعفر النَّجِيرَمي، وكل ما في تلك الأحاديث من المؤاخذات كِلّها.
بالنظر إلى هذا الراوي الذي هو من مشايخ ابن عدي، ويحاول ابن عدي أن يُلصق ما للنجيرَمي إلى أبي حنيفة مباشرة، وهذا هو الظلم والعدوان، وهكذا باقي مؤاخذاته، وطريق فضح أمثاله: النظر في أسانيدهم).
وقال شيخنا أيضًا في (تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة) (ص:169) : (وكان ابن عدي على بُعده عن الفقه والنظر والعلوم العربية: طويل اللسان في أبي حنيفة وأصحابه، ثم لما اتصل بأبي جعفر الطحاوي وأخذ عنه تحسنت حالته يسيرًا، حتى ألف(مسندًا) في أحاديث أبي حنيفة) انتهى-كذا قال!.
قال المحبوس: وابن عدي أعلم من الطحاوي ومن الكوثري وغيرهما من الأحناف-ثم قال أبو غدة: وقد ألف شيخنا كتابًا خاصًا في نقد كتاب (الكامل) ، سماه: (إبداء وجوه التعدي في كامل ابن عدي) ، لا يزال مخطوطًا.
وانظر نموذجًا من وجوه تعدّي ابن عدي ونقد شيخنا الكوثري له، في كتابه: (الإمتاع بسيرة الإمامين الحسن بن زياد، وصاحبه محمد بن شجاع) (59/ 66/69) . وقول الشيخ ابن تيمية في: (التوسل والوسيلة) (ص:96) وفي: (مجموع الفتاوى) (1/ 271) : (الكامل في أسماء الرجال) لابن عدي، لم يصنف في فنه مثله).
ثم قال شيخنا أبو غدة مجنون الكوثري: (يعني به من حيث احتواؤه وجمعه، وتوسعه في ترجمة الراوي، بذكر بعض أحاديثه التي أنكرت عليه، ولا يعني به سلامته من المآخذ من كل الوجوه، فما سلم كتاب صنفه إنسان من مؤاخذة) .
قال المحبوس: ولم أفهم سبب هذا الظلم والجور والتحامل على الإمام ابن عدي من الكوثري وتلميذه أبي غدة مدة من الزمن حتى قرأت (الكامل) بالسجن المحلي بتطوان فعلمت سر تحاملهم عليه، ومن شاء أن يعرف فليقرأ ما يلي في (الكامل) : (1/ 314/رقم:139 - ترجمة: إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة حيث قال:(وإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة ليس له من الرواية شيء، ليس هو ولا أبوه ولا جده أبو حنيفة من أهل الرواية، وثلاثتهم قد ذكرتهم في كتابي هذا في جملة الضعفاء)
وقال أيضًا في: (7/ 5 إلى12/رقم:1954 - ترجمة: النعمان بن ثابت أبي حنيفة) .
حيث ذكر أقوال العلماء في أبي حنيفة ومعظمهم يقول في أبي حنيفة: (لا ثقة ولا مأمون، وأنه لا يكتب حديثه، ليس بصاحب حديث، ولا تقنع برأيه ولا بحديثه، متروك الحديث، ليس بثقة، وكان أبو حنيفة شيطانًا استقبل آثار رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يردها برأيه، وكان شريك لا يجيز شهادته وشهادة أصحابه، وأما الثوري فما كلمه حتى مات.
قال ابن عيينة: قدمت الكوفة فحدثتهم عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد بحديث فقالوا: إن أبا حنيفة يذكر ذا عن جابر بن عبد الله قلت: لا أعلم، هو جابر بن زيد قال: فذكر ذلك لأبي حنيفة قال: فقال: لا تبالوا إن شِئْتُم اجعلوه جابر ابن عبد الله وإن شئتم اجعلوه جابر بن زيد. قال عمرو بن علي: أبو حنيفة ليس بالحافظ مضطرب الحديث واهي الحديث.
قال مالك: الداء العضال: الهلاك في الدين، وأبو حنيفة من الداء العضال.
قال الوليد بن مسلم: قال لي مالك: أيذكر أبو حنيفة في بلدكم؟ قلت: نعم، قال: ما ينبغي لبلدكم أن تسكن. قال المقرئ: سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت أفضل من عطاء، وعامة ما أحدثكم خطأ.
وكان المقرئ يقول: حدثنا أبو حنيفة وكان مرجئًا يمد بها صوته صوتًا عاليًا. قيل للمقرئ: فأنت لم ترو عنه وكان مرجئًا قال: إني أبيع اللحم مع العظام.
ثم قال ابن عدي: ثنا الجنيدي، ثنا البخاري، وحدثني نعيم بن حماد قال: كنت عند سفيان ونعي أبو حنيفة فقال: الحمد لله كان ينقض الإسلام عروةً عروةً وما وُلد في الإسلام أشأم منه.
ثم ذكر ابن عدي كلام أبي حنيفة: لو أدركني رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لأخذ بكثير من قولي وهل الدين إلا بالرأي الحسن. إلى آخر ما قال الإمام ابن عدي.
هذه جريمة ابن عدي الوحيدة ليستحق كل ما سبق من السب المقذع من مجنوني أبي حنيفة. وإذا ظهر السبب بطل العجب.
وهذا لا يعني أن ابن عدي معصوم وأن كل ما نقله في حق أبي حنيفة صحيح.
ولكن المقصود أن الكوثري وشيخنا أبا غدة لم يكن انتصارهما هذا لله تعالى، والأمر واضح لا يحتاج إلى توضيح أعاذنا الله من الغلو والتقديس للرجال ولو على حساب الشرع.
ومن أراد أن يعرف تلاعب الكوثري وضلاله وتخريفه وتحريفه للنصوص فعليه بكتاب (التنكيل) للإمام المعلمي فقد بين فيه تلاعب الكوثري وتحريفه وتدليسه وكذبه على الأئمة بل: والصحابة رضوان الله عليهم ... وهناك مواضع أخرى في الكامل ذكرتها في كتابي: (ذاكرة سجين مكافح) .
حيث قلت:
وفي (الكامل) أيضًا: (2/ 255/رقم:431 - ترجمة: حماد بن سلمة بن دينار) : ( ... وسمعت حماد بن سلمة يقول: ما وُلد في الإسلام مولود أضر على الإسلام من أبي جيفة-يعني أبا حنيفة) .
وفي (الكامل) أيضًا: (3/ 451/452) : ( ... عن سفيان قال: قيل لسوار بن عبد الله القاضي: لو نظرت في شيء من كلام أبي حنيفة وقضاياه؟ قال: كيف أنظر في كلام رجل لم يؤت الرشد في دينه) .
وقال في: (7/ 162/رقم: 2067 - ترجمة: يوسف بن خالد أبي خالد السمتي بصري) : ( .. وكان من أصحاب أبي حنيفة وقد أجمع على كذبه أهل بلده) .
والأحناف حملوا على المحدث الألباني-رحمه الله-حتى إن أحد الخرافيين والصحافيين كتب كتابًا بعنوان: (ويلك آمن) كفر فيه مجدد هذا القرن ومرجع علماء الحديث في عصرنا، وجريمته-رحمه الله-أنه قال في: (الإرواء) (2/ 279) : (وبعدُ: فإن تضعيف أبي حنيفة-رحمه الله-في الحديث لا يحط مطلقًا من قدره وجلالته في العلم والفقه الذي اشتهر به، ولعل نبوغه فيه، وإقباله عليه، وهو الذي جعل حفظه يضعف في الحديث، فإن من المعلوم أن إقبال العالم على علم وتخصصه فيه، مما يضعف ذاكرته غالبًا في العلوم الأخرى. والله أعلم) .