فهرس الكتاب
فمثل هؤلاء لم يكن العلم ميسرًا لهم، ولا يعتبرون عالمين بأحكام الشريعة، أما إذا كان مدعي الجهل ناشئًا بين المسلمين أو: أهل العلم فلا يقبل منه الإدعاء بالجهل) [1] .
قال ابن قدامة الحنبلي-رحمه الله تعالى-: (ولا حد على من لم يعلم تحريم الزنا، قال: عمر وعثمان وعلي-رضي الله عنهم-: لا حد إلا على من علمه، وبهذا قال عامة أهل العلم، فإن أدعى الزاني الجهل بالتحريم وكان يحتمل أن يجهله كحديث العهد بالإسلام والناشئ ببادية قبل منه لأنه يجوز أن يكون صادقا، وإن كان ممن لا يخفى عليه ذلك كالمسلم الناشئ بين المسلمين وأهل العلم، لم يقبل لأن تحريم الزنا لا يخفى على من هو كذلك فقد علم كذبه، وإن ادعى الجهل بفساد نكاح قبل قوله لأن عمر قبل قول المدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة، ولأن مثل هذا يجهل كثيرا ويخفى على غير أهل العلم) [2] .
قال أبو محمد بن حزم-رحمه الله تعالى-: (ومن لم تبلغه واجبات الدين فإنه معذور ولا ملامة عليه وقد كان جعفر بن أبي طالب وأصحابه-رضي الله عنهم-بأرض الحبشة ورسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-بالمدينة والقرآن ينزل والشرائع تشرع، فلا يبلغ إلى جعفر وأصحابه أصلا، لانقطاع الطريق جملة من المدينة إلى أرض الحبشة وبقوا كذلك ست سنين فما ضرهم ذلك في دينهم شيئًا إذا عملوا بالمحرم وتركوا المفروض) [3] .
لكن هناك صفات لا يسع جهلها، وفي مثلها يقول ابن جرير-رحمه الله-: (قد دللنا فيما مضى قبل من كتابنا هذا أنه لا يسع أحدًا بلغ حد التكليف الجهل بأن الله جل ذكره، عالم له علم، وقادر له قدرة، ومتكلم له كلام، وعزيز له عزة، وأنه خالق، وأنه لا محدث إلا مصنوع مخلوق، وقلنا من جهل ذلك فهو بالله كافر) [4] .
قال القاضي عياض-رحمه الله تعالى-في خضم كلامه عن سب النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (أن يكون القائل لما قال في جهته-عليه الصلاة والسلام-غير قاصد للسب والازدراء ولا معتقد له، ولكنه تكلم في جهته-عليه الصلاة والسلام-
(1) -انظر: (التشريع الجنائي الإسلامي) (1/ 430/431) .
(2) -انظر: (المغني مع الشرح الكبير) (10/ 156) .
(3) -انظر: (الفصل4) (/60) .
(4) -انظر: (التبصير) (ص:149) .