الصفحة 35 من 37

فهذا التفاوت والتباين حسب الأحوال والملابسات التي تصاحب تأليف هذه المصنفات.

ثامنًا: يبدو - من خلال تتبع الأمثلة المذكورة في الفروع - أن أعظم طوائف المبتدعة انحرافًا في الأصول والاعتقاد هم أعظم انحرافًا في الفروع؛ فالرافضة - مثلًا - أشد ضلالًا من الخوارج والمعتزلة في الاعتقاد، ومن ثم كانت مخالفتهم وشذوذهم في المسائل الفقهية سواء في العبادات أو المعاملات أكثر وأظهر.

تاسعًا: يظهر من خلال بعض الفروع الواردة - ما كان عليه السلف الصالح من ذم الحيل المفضية إلى الحرام وما فيها من المخادعة والاستخفاف بشرع الله تعالى، والصدّ عن سبيل الله تعالى، وشماتة أعداء الإسلام وتسلطهم - كما هو ظاهر في نكاح التحليل كما يظهر -أيضاًَ- عناية السلف الصالح بقاعدة سدّ الذرائع علمًا وتحقيقًا.

قال الشاطبي: (( سد الذرائع مطلوب مشروع، وهو أصل من الأصول القطعية في الشرع ) ) [1] .

وقال ابن القيم: (( وإذا تدبرتَ الشريعة وجدتها قد أتت بسدّ الذارئع إلى المحرمات، وذلك عكس فتح باب الحيل الموصلة إليها، فالحيل وسائل وأبواب إلى المحرّمات، وسد الذرائع عكس ذلك، فبين البابين أعظم تناقض، والشارع حرّم الذرائع، وإن لم يقصد بها المحرم، لإفضائها إليه، فكيف إذا قُصِد بها المحرم نفسه؟ ) ) [2] .

وحذّر ابن القيم من التوثّب على محارم الله تعالى باسم الحيل فقال: (( فحقيق بمن اتقى الله وخاف نكاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع المكر والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلصه من الله ما أظهره مكرًا وخديعة من الأقوال والأفعال، وأن يعلم أن لله يومًا تنسف فيه الجبال، وتترادف فيه الأهوال، وتشهد فيه الجوارح والأوصال، وتبلى فيه السرائر، ويصير الباطن فيه ظاهرًا، ويحصل ويبدو ما في الصدور، كما يبعثر ويخرج ما في القبور، وتجري أحكام الرب تعالى هنالك على القصود

(1) الموافقات 3/ 61.

(2) إغاثة اللهفان 1/ 531.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت