الصفحة 34 من 37

قال الحافظ ابن حجر [1] معلقًا على القصة: (( وإذا كان هذا جواب هذا الصحابي في أمر له أصل في السنة، فما ظنك بما لا أصل له فيها. فكيف بما يشتمل على ما يخالفها؟ ) ) [2] .

سادسًا: وكما حذّر السلف من مخالفة الكفار والمبتدعين، حذّروا أيضًا من أرباب الأقوال الشاذة - كما مرّ بنا في تحريم جمهور السلف للنبيذ خلافًا للكوفيين - حتى قال الإمام الأوزاعي [3] : (( من أخذ بقول أهل الكوفة في النبيذ، وبقول أهل مكة في الصرف، وبقول أهل المدينة في الغناء، فقد جمع الشر كله ) ) [4] .

وكما قال عبد الله بن المبارك: (( لا تأخذوا عن أهل مكة في الصرف شيئًا، ولا عن أهل المدينة في الغناء شيئًا ) ) [5] .

وذلك أن أهل الكوفة عرفوا بإباحة النبيذ - من غير العنب مما يسكر كثيره - كما أن أهل مكة أجازوا الصرف، حيث نسب إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال أجاز ربا الفضل [6] . كما عرف بعض أهل المدينة بالترخص في الغناء [7] .

فهذه الرخص - كما يقول ابن القيم - (( تتبعها حرام، ويوهن الطلب، ويرجع بالمترخص إلى غثاثة الرخص ) ) [8] .

سابعًا: نلحظ من خلال النظر في تلك الفروع - المذكورة في كتب الاعتقاد - تفاوتها كمًّا ونوعًا، وتنوعها حسب تباين هذه الكتب زمانًا ومكانًا وحالًا، فمن الفروع ما يكثر إيراده دون غيره، ومن الفروع ما يذكر في مصنف دون مصنف آخر،

(1) هو أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، عاشر بمصر، محدث مؤرخ، أديب شاعر، له التصانيف النافعة، توفي سنة 852 هـ. انظر: شذرات الذهب 7/ 270، والبدر الطالع 1/ 87.

(2) فتح الباري 13/ 253، 254.

(3) أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عالم أهل الشام وفقيهها، وكان إمام سنة، وصاحب تعبد وتهجد، ـ وعرف بالصدع بالحق، مات سنة 157 هـ.

(4) الاستقامة لابن تيمية 1/ 274.

(5) شرح السنة للبربهاري ص 52.

(6) قال ابن قدامة: (( والمشهور أن ابن عباس رجع إلى قول الجماعة ) )المغني 6/ 52.

(7) ولما سئل الإمام مالك عن ذلك الترخص قال: إنما يفعله عندنا الفاسق، انظر الاستقامة 1/ 274.

(8) مدارج السالكين 2/ 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت