الصفحة 17 من 35

وهو عين قول ابن حزم رحمه الله تعالى في المحلى: ومن الباطل البحت أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن فلانًا بعينه منافق متصل النفاق ثم لا يجاهده فيعصي ربه تعالى ويخالف أمره، ومن إعتقد هذا فهو كافر لأنه نسب الإستهانة بأمر الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم [1] .

ولكن ابن حزم (الإمام الجهبذ) فاته التوفيق في هذا الباب في قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم أعيان بعض المنافقين عن طريق الوحي، وذلك لقوله بأن للإمام أن يقيم الحدود بعلمه هو إذا علمه بأي طريق حدث، وهذا خلاف الحق، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحدود بالبينات التي نصبها الله تعالى للأحكام الشرعية، وهي الحجج التي علمها الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وعلمها للناس، ولو تأملت كلام القرافي وكلام ابن تيمية السابق لرأيت أن الحديث يدور على الحجة الشرعية التي تقام بها الأحكام وليس على أمر آخر.

قال ابن حزم رحمه الله: المنافقون قسمان: قسم لم يعرفهم قط عليه السلام، وقسم آخر افتضحوا فعرفهم فلاذوا بالتوبة ولم يعرفهم عليه السلام أنهم كاذبون أو صادقون في توبتهم [2] .

فهذا قوله رحمه الله تعالى، وهو متلائم مع قوله المتقدم [3] .

وللتوسع قليلًا نأتي على هذه المسألة:-

هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أعيان المنافقين وكيف؟

مما لاشك فيه أن المنافقين في هذا الباب على أقسام:

القسم الأول من لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه:

لقوله تعالى: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم) [التوبة101] . وقوله سبحانه: مردوا: أي مرنوا واستمروا عليه.

(1) المحلى11/ 218.

(2) السابق.

(3) اتفق الفقهاء على أنه لايجوز للحاكم أن يحكم بخلاف علمه وإن شهد عنده بذلك العدول، واختلفوا في مسألة حكم الحاكم بعلمه:-

القول الأول: ليس له أن يحكم بعلمه، وهذا يروى عن شريح والشعبي وهو قول مالك واسحق بن رهاوية وأبي عبيد القاسم بن سلام ومحمد بن الحسن الشيباني وأحد قولي الشافعي وهو ظاهر المذهب وهو قول أحمد في رواية.

وقال أبو يوسف وأبو ثور وهو قول آخر للشافعي واختاره المزني من أصحابه ورواية عن أحمد أنه يجوز له ذلك.

والقول الأول هو الذي تشهد له الأدلة واستقصاء ذلك يطول على هذا المقام.

وانظر أدلة الأقوال في فتح الباري13/ 138.

وقول ابن حزم في وجوب قضاء القاضي بعلمه هو في المحلى مسألة رقم1796ج9/ 426، قال: وفرض على الحاكم أن يحكم بعلمه في الدماء والقصاص والأموال والفروج والحدود، سواء علم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته، وأقوى ما حكم (به) بعلمه لأن يقين الحق ثم بالإقرار ثم بالبينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت