الصفحة 16 من 35

الثاني: هو أمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن المشركين والمنافقين، قال تعالى: (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) [الأحزاب49] .

فهذا هو الأمر الأول الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع المنافقين، ثم جاء التحذير المتقدم وقوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) [1] ، فمن أظهر نفاقه بعد هذه الآيات فإنه يؤخذ به، ولا يصح -بل هو من الضلال- القول: إن المسلمين كانوا يعلمون أعيان المنافقين بالحجج التي تثبت بها البينة على أمثالهم ثم لا يعاقبونهم، بل قولهم هذا طعن في الصحابة رضي الله عنهم وهو قبل ذلك طعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال القرافي: إنعقاد الإجتماع اليوم على أن من علم نفاقه لا يقر، فنقول: عندنا وعندهم يستتاب، وإنما فعله عليه السلام لئلا يتحدث الناس أن محمدًا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، ولو ثبت ذلك قتلهم لقيام الحجة له عليه السلام، كما كان يقتلهم في الزنا وغيره لقيام البينة، وعلمه هو وحده ويقر مع علمه، فخاص عندنا وعندكم [2] .

فتأمل بارك الله فيك قوله:"ولو ثبت ذلك قتلهم لقيام الحجة له عليه السلام، كما كان يقتلهم في الزنا وغيره لقيام البينة"فإنه يدل على أنهم لم يكونوا يظهرون نفاقهم إظهارًا تقوم به الحجة للنبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة رضي الله عنهم وللناس أنهم منافقون يستحقون القتل. د

وقد سأل ابن تيمية هذا السؤال، وهو: كيف يمكن مجاهدة المنافق مع إجراء أحكام الإسلام عليه في الظاهر؟، فأجاب رحمه الله: فإذا أظهر المنافق من ترك الواجبات، وفعل المحرمات ما يستحق عليه العقوبة عوقب على الظاهر، ولا يعاقب على ما يعلم من باطنه بلا حجة ظاهرة، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم من المنافقين من عرفه الله بهم وكانوا يحلفون له وهم كاذبون وكان يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله [3] .

فقوله:"بلا حجة ظاهرة"دليل على إنه ما من منافق أظهر نفاقه ظهورًا بينًا بعد أن أمر الله بقتلهم وجهادهم، وقد فصل ابن حزم رحمه الله في المحلى هذه المسألة تفصيلًا جميلًا جليلًا فارجع إليه.

وقال ابن تيمية رحمه الله في الصارم المسلول: فحاصله أن الحد لم يقم على واحد بعينه لعدم ظهوره بالحجة الشرعية التي يعلمه بها الخاص والعام أولعدم إمكان إقامته [4] .

(1) لبعض أهل العلم رحمهم الله قول في التفريق بين جهاد الكفار المحاربين وبين جهاد المنافقين، إذ يرون أن جهاد الكفار بالسيف والسنان، وجهاد المنافقين بالحجة والبيان، هكذا بإطلاق، وهواطلاق للتفريق لا يصح فكلاهما يجاهد بالحجة والبيان والسيف والسنان إذا أظهر المنافق نفاقه ولم ينته عنه، ويصح هذا التفريق للمنافق (أي يقتصر على التوبيخ والتقريع والوعظ) إذا كتمه ولم يظهره وعلمه الناس منه من لحن القول.

(2) الذخيرة للقرافي12/ 39.

(3) مجموع الفتاوى7/ 620.

(4) الصارم المسلول3/ 681.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت