إذا فهمت هذا تمام الفهم وعلمت هذا النوع من النفاق فإنه يكشف لك خطأ الإستقرار على حكم لهؤلاء المنافقين الداخلين في هذا النوع لأنهم"كشاة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، ولا تستقر مع إحدى الطائفتين، فهم واقفون بين الجمعين" [1] .
وتذكر جيدًا أننا نتحدث هنا عن حقيقة النفاق، ومعناه أن تقلب هؤلاء القوم تقلب حقيقي لا مصطنع، وأن اضطرابهم وحيرتهم حقيقة لا تقية [2] .
ونهاية الأمر كما قاله الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: المنافقون هم قسمان: خلّص وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لَمع من الإيمان وتارة يخبو، وهم أصحاب المثل المائي، وهم أخف حالًا من الذين قبلهم [3] .
وقول الإمام: وهم أخف حالًا من الذين قبلهم، هذا من جهة النفاق وحقيقته، وأما من جهة ثماره على المجتمع المسلم والجماعة المسلمة فقد يكون حالهم أشد وأكثر إيذاء لترددهم، والله أعلم.
تنبيه:
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: قد يكون المنافق ( ... ) تارة متصفا ًبهذا الوصف وتارة متصفًا بهذا الوصف فيكون التقسيم في المثلين لتنوع الأشخاص ولتنوع أحوالهم [4] .
هل أظهر المنافقون نفاقهم؟
قال الله تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا * سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) [الأحزاب60 - 62] .
في هذه الآيات تحذير من الله تعالى للمنافقين بالكف عن إظهار نفاقهم، وهو دليل على أن المنافقين قبل كانوا يظهرون نفاقهم، ثم بعد هذا التحذير كفوا عن الإظهار خوفًا من السيف (أخذوا وقتلوا تقتيلا) وهذا هو الإغراء الذي قاله الله تعالى في الآية الأولى، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما [5] .
وقد كان المنافقون يظهرون نفاقهم قبل لأمرين:
الأول: لعفو المسلمين عنهم، فإن المسلمين قبل فتح مكة كانوا يتألفون الناس ويعفون عنهم طمعًا في إسلامهم.
(1) مدارج السالكين1/ 351.
(2) انظر مجموع الفتاوى7/ 272. وفيه الرد على من قال إن إيمان هؤلاء ليس حقيقيًا.
(3) التفسير1/ 192، وانظر بتفصيل رائع مجموع الفتاوى7/ 274 وما بعدها.
(4) مجموع الفتاوى7/ 278.
(5) التفسير6/ 483.