الصفحة 32 من 35

وورد في ذلك سبب آخر أعرضت عنه لضعفه، وأما تعيين الرجل فورد في ذلك أحاديث لا تزيدنا في هذا الباب الذي نحن فيه.

ولو أنعمت في الحديث نظرا، وفكرت في قول الرجل لوجدته من لحن القول الذي لا تقوم به حجة على قتله ردة، ولكن جاء القرآن ليفضح ما في قلبه عند قوله وهو الكفر، ولذلك قال الله قبل: (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم، قل استهزؤوا إن الله مخرج ما تحذرون) [التوبة64] .

فالآية فضحت كفر قلبه الذي دفعه لهذا الكلام، وهو كلام أخفى الكثير من مراده وأظهر بعضه مخافة السيف أو مخافة الفضيحة، وهو قول لو قاله اليوم أحد لما ثبت لنا مراده حتى نستوثق منه، وهذا شأن كل كلام محتمل غير صريح، والرجل بكل يسر سيقول: أنا أسب رجالا بما أراه فيهم، وأقصى ما يحكم عليه التعزير في شتمه المسلمين، مع أن الحالة التي ورد فيها سبب النزول سيدخل في كلامه في الشتم والسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه يستطيع أن يحلف (كعادة المنافقين وكما فعل) أنه ما أراد.

ثم لو أنعمت أخرى فسترى أنه حلف أنه كان يخوض ويلعب، ولفظه يحتمل هذا، ولكننا نجزم بكذبه بنص الوحي، وليس هو مما تقام به الحدود والأحكام، والله أعلم.

هذا نهاية الأمر في هذا الباب، فلا يجوز لأحد أن يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط عن المنافقين حد الردة مع استحقاقهم له، فإن قائل هذا مبطل محجوج ولا يبعد عنه الكفر عياذا بالله تعالى كما تقدم من كلام ابن حزم رحمه الله تعالى.

قوله سبحانه: (اتخذوا أيمانهم جنة) :

ومما ذكره الله تعالى في كتابه من أسباب المنافقين في دفع الحكم الشرعي عنهم بالقتل هو الحلف لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه رضي الله عنهم أنهم على دين الإسلام ولم يخرجوا منه.

قال تعالى: (يحلفون بالله ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين) [التوبة62] .

قال الطبري: يحلف لكم أيها المؤمنون هؤلاء المنافقون بالله ليرضوكم فيما بلغكم عنهم من أذاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره إياهم بالطعن عليه، والعيب له، ومطابقتهم سرا أهل الكفر عليكم، بالله والأيمان الفاجرة أنهم ما فعلوا ذلك، وإنهم لعلى دينكم ومعكم على من خالفكم، يبتغون بذلك رضاكم [1] .

وقال تعالى: (يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) [التوبة96] .

(1) جامع البيان10/ 170.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت