الصفحة 33 من 35

وقال تعالى: (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون) [المجادلة 18] ، وقال تعالى: (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون) [التوبة65] .

فبين الله سبحانه أن خوفهم منكم هو الذي جعلهم يحلفون هذه الأيمان الكاذبة إنهم منكم، فدل هذا أنه كان لأيمانهم مانعا من قتلهم.

وقد ورد قبل بعض الأحاديث في حلفهم الكذب في سبب آية المجادلة المتقدمة من حديث الرجل الأزرق، وحلف ابن أبي أنه ما قال كلمته العظيمة (لئن رجعنا إلى المدينة ... .) وقد تقدم أصل الحديث وحلف الرهط الذين أرادوا قتله في العقبة منصرفه صلى الله عليه وسلم من تبوك، وقد تقدم أصل الحديث كذلك.

وروى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: إن رجالا من المنافقين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلفوا عنه بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب.

ومثلها ما وقع من سبب نزول قوله تعالى: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون) [التوبة95] .

وذلك بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من تبوك، قال كعب بن مالك: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له [1] .

ومن المعلوم أن أيمان المتهم لا قيمة لها إذا قامت البينة الشرعية، وإنما الأيمان تنفع صاحبها إذا ضعفت البينة، فإن المتهم يدرأ عنه التهمة بالحلف، وما تقدم من حلفهم كان ينفعهم في دفعهم حكم القتل عنهم لعدم ثبوت الحجة الشرعية عليهم فيما قالوا من لحن القول، أو فيما قالوه أصلا، فإنهم كانوا ينفون في بعض الأحداث أصل الكلام الذي يصل إلى مسامع الرسول صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي أو عن طريق آحاد الصحابة رضي الله عنهم.

ولهذا كانت أيمانهم جنة أي حماية لهم من وقوع السيف عليهم.

قال ابن تيمية: واليمين إنما تكون جنة إذا لم تأت بينة عادلة تكذبها، فإذا كذبتها بينة عادلة انخرقت الجنة، فجاز قتلهم [2] .

حكم الزنديق في مذاهب الفقهاء:

الزنادقة: هم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسول وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسوله، وهؤلاء المنافقون هم في الدرك الأسفل من النار [3] .

(1) رواه الطبري11/ 3 بسند صحيح، وأصله في البخاري في كتاب المغازي باب غزوة تبوك.

(2) الصارم المسلول3/ 657، وانظر ما قاله الإمام المطلبي رحمه الله في الأم (6/ 179 - 180) .

(3) طريق الهجرتين بتحقيقي ص595.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت