الصفحة 6 من 35

قال القاضي أبو يعلى وغيره:- وإذا اعترف بالزندقة ثم تاب قبلت توبته، لأنه باعترافه يخرج عن حد الزندقة، لأن الزنديق هو الذي يستبطن الكفر وينكره ولا يظهره، فإذا اعترف به ثم تاب خرج عن حده فلهذا قبلنا توبته [1] .

قال ابن القاسم: إذا أخفى الرجل دينًا فأتى تائبًا منه قبلت منه توبته ولم يقتل، قال: وإن أخذ على دين أخفاه مثل الزندقة أو اليهودية أو النصرانية وكان دينًا يخفيه قتل ولم يستتب لأن توبته لا تعرف، وإن أنكر ما شوهد عليه به لم يقبل إنكاره وقبل ولم يستتب، وإن إدعى التوبة أيضًا لم تقبل توبته أيضًا.

قال ابن رشد الجد: هذا أمر متفق عليه في المذهب [2] .

إذا علمت هذا تبين لك معنى قول حذيفة رضي الله عنه: إنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان [3] .

قال ابن حجر: والذي يظهر لي أن حذيفة لم يرد نفي الوقوع إنما أراد نفي اتفاق الحكم [4] .

وقول ابن حجر رحمه الله:"إنما أراد اتفاق الحكم"لاختلاف الحال وقوله فيما تقدم التفريق بين المنافقين الذين كانوا يسرون نفاقهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين من أظهر نفاقه وأعلنه.

قال ابن التين رحمه الله: كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، وأما من جاء بعدهم فإنه ولد في الإسلام وعلى فطرته فمن كفر منهم فهو مرتد ولذلك اختلفت أحكام المنافقين والمرتدين [5] .

ويشهد لقول ابن التين رحمه الله قول أحمد رحمه الله: الزنادقة حكمهم القتل، ليست لهم توبة، لأنهم ولدوا على الفطرة ونزعوا إلى خلافه [6] .

وقد يعترض على ما قلنا بما قاله ابن تيمية رحمه الله تعالى، يقول: فإن كثيرًا من المتأخرين ما بقي في المظهرين للإسلام عندهم إلا عدل أو فاسق، وأعرضوا عن حكم المنافقين، والمنافقون مازالوا ولا يزالون إلى يوم القيامة والنفاق شعب كثيرة [7] .

وقبل الجواب على هذا الإعتراض نسوق قاعدة سبكت من شذرات البلاتين في طريقة التعامل مع كلام الفقهاء والعلماء ... يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأخذ مذاهب الفقهاء من الإطلاقات من غير مراجعة لما فسروا به كلامهم وما تقتضيه أصولهم يجر إلى مذاهب قبيحة [8] .

(1) السابق3/ 687.

(2) البيان والتحصيل16/ 391.

(3) البخاري13/ 69 مع الفتح.

(4) السابق13/ 74.

(5) السابق.

(6) أحكام أهل الملل والنحل فقرة1331.

(7) مجموع الفتاوى7/ 212.

(8) الصارم المسلول2/ 512، وليت الذين ينتسبون للسلفية ويجرحون الناس ببعض كلامهم يراعون هذه القاعدة فيضموا الكلام بعضه إلى بعض قبل الحكم عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت