وحتى يفهم كلام شيخ الإسلام فإننا لابد أن نفهمه في سياقه، وقبل كل ذلك فإننا لا ننفي في بحثنا هذا وجود النفاق الأكبر، ولا ننفي حكمهم على الحالة التي وجدت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الصورة أن يقع في قلب المسلم أن فلانًا منافق، وأن في قلبه بغض لله ورسوله وشريعته، ومعاداة المؤمنين ومحبة الكافرين، وهذا الذي يقع في قلب الناظر سببه ما يراه من أفعال وأقوال تشير لهذا وتدل عليه، وهي من لحن القول، وهي مما يعتقد بها البعض أنها كافية عنده وهو للحكم بنفاق المرء، ويخالفه آخر، ولحن القول يحتمل، وهذا يعامل معاملة المسلمين في الأحكام
بحيث تؤكل ذبيحته ويرث ويورث ... قال ابن تيمية: وقد تنازع الفقهاء في المنافق الزنديق الذي يكتم زندقته هل يرث ويورث، وإن علم في الباطن أنه منافق كما كان الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم (أي يعلمون نفاقه) لأن الميراث مبناه على الموالاة الظاهرة لا على المحبة التي في القلوب، فإنه لو علق بذلك لم تمكن معرفته، والحكمة إذا كانت خفية أو مستترة [1] علق الحكم بمظنتها، وهو ما أظهره من موالاة المسلمين.
وابن تيمية في كلامه السابق إنما يعني هذا النوع من النفاق، وكلامه التالي إنما ساقه قبل عبارته تلك - فإن كثيرًا ... - والنفاق شعب كثيرة، فدل على أنها مراده.
ومما يوجب حملها على هذا المعنى أنه قال بعدها: ولهذا لما كشفهم الله في سورة براءة بقوله: (منهم) (ومنهم) صار يعرف نفاق ناس منهم لم يكن يعرف نفاقهم قبل ذلك، فإن الله وصفهم بصفات علمها الناس منهم، وما كان الناس يجزمون بأنها مستلزمة لنفاقهم، وإن كان بعضهم يظن ذلك وبعضهم يعلمه، فلم يكن نفاقهم معلوم عند الجماعة، بخلاف حالهم لما نزل القرآن، ولهذا لما نزلت سورة براءة كتموا النفاق، وما بقي يمكنهم من إظهاره أحيانًا ما كان يمكنهم قبل ذلك، وأنزل الله: (لئن لم ينته المنافقون ... ) فلما توعدهم بالقتل إذا أظهروا نفاقهم كتموه [2] .
وبهذا يظهر لنا مراد الشيخ وأنه يقصد بالنفاق الذي بقي حكمه هو ما لم يظهره الرجل، أو ظهر منه بما لا يمكن إقامة الحجة عليه من لحن القول، أو عن طريق واحد من العدول فيطمئن الناس إلى قول العدل ولكن لا تصل إلى درجة إقامة الحد عليه، فهذا هو النفاق الذي يتعامل الناس معه كما تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع منافقي زمانه، وأما من أظهر وملك الناس الحجة عليه فحكمه القتل كما قال الله تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلًا * ملعونين أينما ثقفوا أُخذوا وقتلوا تقتيلًا) [الأحزاب60 -61] .
إذا فهمنا هذا وتبين لنا مراد شيخ الإسلام جزمنا بخطأ بتسمية من أتى بالمكفرات الظاهرة وأقيمت الحجة الشرعية عليه أنه منافق يعامل بها عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم منافقي زمانه، بل هو كافر مرتد، فإن كان يسرها ويخفيها ثم أظهرها الله تعالى منه فإنه زنديق وهو أشد وأقبح.
(1) في المطبوع: منتشرة، وأظن أن الصواب هو ما ذكرته.
(2) مجموع الفتاوى7/ 214 -215.