ويشهد لهذا ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة في كتاب الإيمان (ح/71) قال حدثنا حماد بن معقل عن غالب عن بكر قال: لو سئلت عن أفضل أهل المسجد فقالوا: تشهد أنه مؤمن مستكمل الإيمان بريء من النفاق؟ لم أشهد، ولو شهدت لشهدت أنه في الجنة، ولو سئلت عن شر أو أخبث -الشك من أبي العلاء- رجل، فقالوا: تشهد أنه منافق مستكمل النفاق بريء من الإيمان؟ لم أشهد، ولو شهدت لشهدت أنه في النار.
فالحمد لله رب العالمين.
ومعنا مسألة:
فقد روى الفريابي في صفة المنافق أن سفيان الثوري قال: خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث:
نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: الإيمان قولًا بلا عمل.
نقول: الإيمان يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص.
نقول: النفاق، وهم يقولون: لا نفاق [1] .
فهذا القول منه ليس ردًا على قول حذيفة رضي الله عنه -وليس له ذلك- ولكن قول سفيان الثوري رحمه الله هو رد على المرجئة الذين لا يرون اختلاط الإيمان والنفاق في قلب رجل (أي النفاق الأصغر) ، فإنهم لقولهم الإيمان هو القول فقط أدى بهم إلى القول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولازم قولهم هذا (وقد التزموه) أنه لا يجتمع إيمان ومعصية في قلب العبد، وكذلك لا يجتمع إيمان ونفاق، فهذا هو قول سفيان رحمه الله تعالى في الرد عليهم.
ويشهد لهذا المعنى الذي قاله سفيان رحمه الله قول حذيفة رضي الله عنه في إثبات إجتماع النفاق في قلب الرجل مع وجود الإيمان:- القلوب أربعة، قلب مصفح فذلك قلب المنافق، وقلب أغلف [2] فذالك قلب الكافر، وقلب أجرد كأنما فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن، وقلب فيه نفاق وإيمان، فمثله كمثل قرحة يمدها قيح ودم ومثله كمثل شجرة يسقيها ماء خبيث وطيب، فأيهما غلب عليها غلب.
وهو مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: من كانت فيه خصلة منهم كانت فيه شعبة من النفاق حتى يدعها. [متفق عليه] . وبهذا يتبين أن حذيفة رضي الله عنه لم ينف الوقوع وهو الذي نفاه المرجئة.
أنواع النفاق:
(1) صفة المنافق ح/93.
(2) ضبطه الألباني في الإيمان لابن أبي شيبة ح/45، ومحقق الإبانة ح/929، بالقاف أي أغلق، ومعناه أي عليه غشاء عن قبول الحق وسماعه، وهو عند عبد الله بن أحمد في السنة (ح820) أغلف وهو نفس المعنى، وفي المسند (3/ 17) أغلف مربوط على غلافه، ولكنه في المسند مرفوع، وسنده ضعيف فيه الليث بن أبي سليم وهو مضعف، والصحيح وقفه.