الصفحة 10 من 35

النفاق كحقيقة في القلب يقسم إلى قسمين كما ذكر الله تعالى في كتابه، ففي سورة البقرة وفي ذكرها للجمل الخبرية ضرب الله للمنافقين مثلين هما:-

المثل الأول:-

(مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، صم بكم عمي فهم لا يرجعون) [البقرة17-18] .

هذا النوع الأول من النفاق هو من استقر قلبه على الكفر، وثبت عليه، لقوله سبحانه وتعالى: (ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) ، ولقوله سبحانه: (فهم لا يرجعون) أي إلى ما حصل معهم من إيمان ونور أول الأمر.

قال ابن كثير -رحمه الله- [1] : وتقرير هذا المثل أن الله سبحانه وتعالى شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد التبصرة إلى العمى، بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها عن يمينه وشماله، وتأنس بها فبينما هو كذلك إذ طفئت نوره، وصار في ظلام شديد لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع ذلك أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر، فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك [2] .

وهذا النوع آمن وعرف الحق ثم كفر، وهناك نوع يدخل في هذا النوع من جهة استقرار صاحبه على الكفر وهو داخل في قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين) [البقرة8] ولكنه نوع يدخل فيه من لم يؤمن قط ولم يهتد قلبه بنور الوحي، بخلاف الأول فإنه مثل في من عرف الحق ثم كفر.

وهذا الصنف فيه آيات منها:-

قال تعالى: (كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين) [آل عمران86] .

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أي قامت عليهم الحجج والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسول ووضح لهم الأمر ثم ارتدوا إلى ظلمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعدما تلبسوا به من العماية [3] .

وهذا الصنف يتنزل فيه كذلك قوله تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون * اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم

(1) ابن كثير6/ 483.

(2) لأهل التفسير أقوال أخرى غير هذا الذي نقلناه، بعضها ضعيف كمن حمل النور على معنى منفعته الحاصلة في الدنيا، والظلمة على جزائه في الآخرة، وبعضها من مقتضيات هذا الذي قدمناه، ثم اختار ابن جرير أن هذا النوع في المثل القرآني لم يؤمن في وقت من الأوقات وهو خطأ منه رحمه الله تعالى مع جلالته، وفسر ابن جرير المثل بالمعنى الضعيف الذي ذكرناه في الهامش، وهو كذلك جعل المثلين لصنف واحد من المنافقين وهو غلط كذلك. (انظر مجموع الفتاوى7/ 272 وابن كثير1/ 17 - 18) .

(3) تفسير القرآن العظيم2/ 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت