قال النووي- رحمه الله-:"وأمَّا سبب سرورهِ- صلى الله عليه وسلم- فرحًا بمبادرةِ المسلمين إلى طاعةِ الله تعالى، وبذلِ أموالهم لله، وامتثالُ أمرِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ولدفعِ حاجةِ هؤلاءِ المحتاجين، وشفقةَ المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم على البرِّ والتقوى، وينبغي للإنسانِ إذا رأى شيئًا من هذا القبيلِ أن يفرحَ ويُظهرُ سرورهُ، ويكونَ فرحهُ لما ذكرناه" [1]
وأمَّا عن بغضهِ لأعداءِ الله تعالى، فقد قال اللهُ تعالى: في صفةِ النبي- صلى الله وأصحابه-: (( وَمَثَلُهُمْ فِي الْإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) ) (الفتح: من الآية29) .
وفي صُلحِ الحُديبيةِ نحرَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- جملًا كان لأبي جهل، ليُغيظَ به المشركين، وكانَ هذا الجملُ قد غنمهُ- صلى الله عليه وسلم- يوم بدر [2]
واستنبطَ ابنُ القيمِ من هذه القصةِ: استحبابُ مغايظة أعداءِ الله تعالى [3]
ولمَّا منّ- صلى الله عليه وسلم- على أبِّي عزةَ الجُمحي، وعاهدهُ ألا يُعينَ عليه فغدر به، ثُمَّ قدرَ عليه بعدَ ذلك وطلبَ أن يَمنّ عليه، فقال- صلى الله عليه وسلم-: ("لا تمسح عارضيك وتقولُ: سخرتُ بمحمدٍ مرتين") ثم قال- صلى الله عليه وسلم-: (لا يُلدغُ المؤمنُ من حُجر مرتين؛ اضرب عنقهُ يا عاصمُ بن ثابت) فضرب عُنقه [4] .
والمقصودُ أن ننظرَ في هديهِ- صلى الله عليه وسلم- بعلمٍ وشمول؛ فلا يقتصرُ على جانبِ كونهِ نبيُّ الرحمةِ، أو التسامحِ أو المحبة، كما لا يقتصرُ على الطرفِ المقابل، بل إنَّ المتعين أن نشتغل بإتباع هديه وسيرته في الحب والبغض، والولاء والبراء.
(1) - أخرجه مسلم، رقم (1017)
(2) - انظر: (زاد المعاد) (1/ 134، 299)
(3) - انظر: (زاد المعاد) (2/ 301)
(4) - انظر (السيرة) لابن هشام (2/ 104) ،"وطبقات ابن سعد" (2/ 43) ، وتاريخ الطبري (2/ 500) .