والذي ينبغي أن يحمل عليه أنه لمح هذا الحديث الذي يقتضي أن من دعى رجلا بالكفر وليس كذلك رجع عليه الكفر، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) .
وكان هذا المتكلم أي أبو إسحاق يقول: الحديث دل على أنه يحصل الكفر لأحد الشخصين إما المكفِّر وإما المكفَّر فإذا كفرني بعض الناس فالكفر واقع بأحدنا وأنا قاطع أني لست بكافر، فالكفر راجع إليه. انتهى
وظاهر كلام أبي إسحاق أنه لا فرق بين المتأول وغيره والله أعلم. وما نقله القاضي عن مالك من حمله الحديث على الخوارج موافق لإحدى الروايتين عن أحمد في تكفير الخوارج، اختارها طائفة من الأصحاب وغيرهم لأنهم كفروا كثيرا من الصحابة واستحلوا دماءهم وأموالهم متقربين بذلك إلى الله تعالى، فلم يعذروهم بالتأويل الباطل، لكن أكثر الفقهاء على عدم كفرهم لتأويلهم وقالوا من استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل كفر. وإن كان استحلاله ذلك بتأويل كالخوارج لم يكفر والله أعلم وأحكم.
المسألة الثانية: إن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها .. إلخ.
يشمل كلامه من لم تبلغه الدعوة وقد صرح بذلك في موضع آخر. ونقل عقيل عن الأصحاب أنه لا يعاقب. وقال إن عفو الله عن الذي كان يعامل لأنه لم تبلغه الدعوة وعمل بخصلة من الخير، واستدل لذلك بما في صحيح مسلم مرفوعا: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) قال في شرح مسلم: خص اليهود والنصارى لأن لهم كتابا، قال: وفي مفهومه أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور.
قال: وهذا جار على ما تقرر في الأصول (لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح) . انتهى
وقال القاضي أبو يعلى في قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} في هذا دليل على أن معرفة الله تعالى لا تجب عقلا، وإنما تجب بالشرع وهو بعثة الرسل وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك لم يقطع عليه بالنار. انتهى
وفيمن لم تبلغه الدعوة قول آخر أنه يعاقب اختاره ابن حامد واحتج بقوله تعالى {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} والله أعلم.
فمن بلغته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة فلا يعذر بعدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فلا عذر له بعد ذلك بالجهل، وقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم ووصف النصارى بالجهل مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم، ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون، ونعتقد كفرهم وكفر من شك في كفرهم.
وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر، والشك هو التردد بين شيئين كالذي لا يجزم بصدق الرسول ولا كذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه ونحو ذلك كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوبها، أو