فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 8

لا يعتقد تحريم الزنا أوعدم تحريمه، وهذا كفر بإجماع العلماء، ولا عذر لمن كان حاله هكذا بكونه لم يفهم حجج الله وبيناته لأنه لا عذر له بعد بلوغها له وإن لم يفهمها، وقد أخبر الله عن الكفار إنهم لم يفهموا فقال: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} وقال: {انهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون} .

فبين سبحانه أنهم لم يفقهوا فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا بل صرح القرآن بكفر هذا الجنس من الكفار كما في قوله تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} .

قال الشيخ أبو محمد موفق الدين ابن قدامة رحمه الله تعالى ـ لما أنجز كلامه في مسألة: هل كل مجتهد مصيب أم لا؟ ورجح أنه ليس كل مجتهد مصيب بل الحق في قول واحد من أقوال المجتهدين، قال: وزعم الجاحظ أن مخالف ملة الإسلام إذا نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم إلى أن قال ... وأما ما ذهب إليه الجاحظ فباطل يقينا وكفر بالله تعالى ورد عليه وعلى رسوله، فإنّا نعلم قطعا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه، وذمهم على إصرارهم وقاتل جميعهم، يقتل البالغ منهم ونعلم أن المعاند العارف ممن يقل، وإنما الأكثر مقلدة اعتقدوا دين آبائهم تقليدا ولم يعرفوا معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه.

والآيات الدالة في القرآن على هذا كثيرة كقوله تعالى: {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} {إن هم إلا يظنون} وقوله: {ويحسبون أنهم على شيء} {ويحسبون أنهم مهتدون} {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} وفي الجملة ذم المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينحصر في الكتاب والسنة. انتهى

فبين رحمه الله تعالى أنا لو لم نكفر إلا المعاند العارف لزمنا الحكم بإسلام أكثر اليهود والنصارى، وهذا من أظهر الباطل.

فقول الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى: إن التكفير والقتل موقوف على بلوغ الحجة. يدل كلامه على أن هذين الأمرين وهما التكفير والقتل ليسا موقوفين على فهم الحجة مطلقا بل على بلوغها ففهمها شيء وبلوغها شيء آخر، فلو كان هذا الحكم موقوفا على فهم الحجة لم نكفر ونقتل إلا من علمنا أنه معاند خاصة، وهذا بين البطلان بل آخر كلامه رحمه الله يدل على أنه يعتبر فهم الحجة في الأمور التي تخفى على كثير من الناس، وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة، كالجهل ببعض الصفات.

وأما الأمور التي هي مناقضة للتوحيد والإيمان بالرسالة فقد صرح رحمه الله تعالى في مواضع كثيرة بكفر أصحابها وقتلهم بعد الاستتابة، ولم يعذرهم بالجهل مع أنا نتحقق أن سبب وقوعهم في تلك الأمور إنما هو الجهل بحقيقتها فلو علموا أنها كفر تخرج عن الإسلام لم يفعلوها، وهذا في كلام الشيخ رحمه الله تعالى كثير كقوله في بعض كتبه: فكل من غلا بنبي أو رجل صالح وجعل فيه نوع من الإلهية مثل أن يدعوه من دون الله، نحو أن يقول: يا فلان أغثني أو اغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو اجبرني أو توكلت عليك وأنا في حسبك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت