عذاب من الرحمن [مريم: 45] .. وهكذا موسى مع فرعون .. بعد أن أرسله الله إليه وقال: {فقولا له قولًا ليّنا لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 44] .. فقد بدأ معه بالقول اللين استجابة لأمر الله فقال: {هل لك إلى أن تزكّى وأهديك إلى ربك فتخشى} وأراه الآيات والبينات .. فلما أظهر فرعون التكذيب والعناد والإصرار على الباطل، قال له موسى كما أخبر تعالى: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني أظنك يا فرعون مثبورا} [الإسراء: 102] . بل ويدعو عليهم قائلًا: {ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 88] ، فالذين يدندنون على نصوص الرفق واللين والتيسير على إطلاقها ويحملونها على غير محملها، ويضعونها في غير موضعها، ينبغي لهم أن يقفوا عند هذه القضية طويلًا، ويتدبروها ويفهموها فهمًا جيدًا .. إن كانوا مخلصين .. ) اهـ.
وقد كررت ذلك في الكتاب نفسه في سياق آخر بعد ذلك فقلت: (الأول: البراءة من آلهتهم الباطلة والكفر بطواغيتهم التي تعبد من دون الله عز وجل.
الثاني: عداوة المشركين المعاندين المصرّين على باطلهم .. وقدمنا أيضًا أن الأول مطلوب من المسلم منذ أول خطوة في الطريق دون توان أو تأخير ....
أما الثاني، فلا يبدى أو يعلن، إلا بعد الإصرار على الباطل وعداوة الحق وأهله. فأبو طالب مثلًا .. على الرغم من بقائه على الكفر لم يكن مظهرًا العداوة والبغضاء للحق وأهله، بل على العكس من ذلك فقد كان ردءًا مدافعًا عن صاحب الحق ورسوله صلى الله عليه وسلم ... والشاهد من ذلك أن مثل هذا النصير أو المجير .. يبقى الأمل واردًا في هدايته واتباعه للحق إلى آخر لحظة ما دام لا يقف مع الصف المعادي المحارب له بل يقف مدافعًا عن بعض أتباعه ... فكيف إذا أضيف إلى ذلك كونه من خاصة الداعية وقرابته الذين يتعلقون به ... ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ييأس من دعوة عمه ....
وقبل ذلك كله، هناك أمر آخر ... وهي النقطة الأولى والمهمة في الموضوع .. أن النبي صلى الله عليه وسلم مع موقف عمه المدافع هذا، لم يكن ليداهنه على حساب دعوته ودينه، بل كان عمه يعرف بدعوته صلى الله عليه وسلم ويسمع بعداوته وبعيبه لآلهتهم الباطلة وهو صلى الله عليه وسلم كذلك أولًا وآخرًا لم يكن ليربطه بعمه الكافر ود ولا حب كيف وهو صلى الله عليه وسلم قدوتنا ومثلنا الأعلى في قوله تعالى: