الصفحة 10 من 54

وأما مدح الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والأئمة الذين يقتدى بهم رضي الله عنهم أجمعين فأكثر من أن يحصر [1] فيستحيل أن يحصر ذلك بالتتبع والاستقراء، ومن لم يسعه [2] ما ذكرنا فعليه بـ (السير) ، و (الميزان) ، و (الكاشف) ، والثلاثة للذهبي، و (البداية والنهاية) لابن كثير، و (التواريخ) للطبري، والبخاري، وابن خلدون، وغيرهم كثير. فإن في هذه الكتب ما يشفي ويكفي.

وقد نص بعض أهل العلم أن (المدح يدخله ست آفات: أربع في المادح، واثنتان في الممدوح. فأما المادح: الأولى: أنه قد يفرط فيه فينتهي به إلى الكذب. الثانية: أنه قد يدخله الرياء فإنه بالمدح مُظهر للحب وقد يكون مُضمرًا له ولا معتقدًا لجميع ما يقوله فيصير به مرائيًا منافقًا. الثالثة: أنه قد يقول ما لا يتحققه ولا سبيل له إلى الاطلاع عليه. الرابعة: أنه قد يُفرح الممدوح وهو ظالم أو فاسق وذلك غير جائز، قال الحسن:(من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن يعصى الله في الأرض) .

وأما الممدوح فيضره من وجهين: الأولى: يحدث فيه كبرًا وإعجابًا وهما مهلكان. الثانية: هو أنه إذا أثنى عليه فرح وفتر ورضي عن نفسه وقلّ تشميره للعمل فإن سلم المدح من هذه الآفات في حق المادح والممدوح لم يكن به بأس بل ربما كان مندوبًا إليه. وعلى الممدوح أن يكون شديد الاحتراز عن آفة الكبر والعُجْب وآفة الفتور ويتذكر أنه يعلم من نفسه ما لا يعلمه المادح، وأنه لو انكشف له جميع أسراره ما يجري على خاطره لكفّ المادح عن مدحه، وكان علي رضي الله عنه إذا أثني عليه يقول: (اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرًا مما يظنون) . وعلى المادح أن لا يجزم القول إلا بعد خبرة باطنه، سمع عمر رضي الله عنه رجلًا يثني على رجل، فقال: أسافرت معه؟ قال: لا، قال: أخالطته في المبايعة

(1) - انظر: (شرح مسلم) للنووي (1/ 195/196) .

(2) - كثيرًا ما سمعنا شيخنا العلامة ابن باز يقول: (من لم تسعه طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقة المؤمنين فلا وسع الله عليه) . قلت: وقد ورد في بعض الآثار: ( ... فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله) . انظره: في الدر المنثور للسيوطي (1/ 17) . وسكت عنه وسكوته لا يدل على شيء لأنه لم يف بوعده في مقدمة الدر انتهى من (البديل الإسلامي لجماعة العدل والإحسان) . (2/ 236/237) . و (أناشيد عربية) (ص:27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت