الصفحة 34 من 54

تجرد ونزاهة، واعرفهُ تعرف أهله [1] ومسألة النقل من أساسها يجب أن يعاد فيها النظر، فلا يقبل منه إلا ما سلمه البحث العلمي النزيه، وقواعد النقد المنهجية المتفق عليها، ولا سبيل إلى التسليم إلا بالوقوف على الأسانيد ونقدها وتمحيصها وجمع ألفاظها والمقارنة بينها ودراسة الأسباب والدواعي المعبر عنها بالنقد الداخلي أو نقد المتن بعد نقد السند، فإذا تم هذا بكل أمانة وإخلاص وتجرد وهيهات هيهات لم يسع المنصف إلا التسليم والإذعان وأين هذا مما نحن فيه فإن طريق القوم في النقل أن يقلد المتأخر المتقدم دون بحث ولا تأمل، وهكذا يشيع المنكر وتألفه القلوب، ويتلقى بالقبول من المعتقدين المريدين والعامة، فلا يمضي عليه وقت حتى يصبح قرآنًا يتلى وحديثًا يروَى، ودينًا يُدان الله به، واستسهل صعبَه كلُّ أحد حتى الكرفطي ولماذا لا يدلي بدلوه وهو يرى المدّعين عن اليمين وعن الشمال عِزين، وما أشدّ جرأتَهم على الله وأحلمه عنهم سبحانه، ومن آخر ذلك ما قرأه الكرفطي في (جؤنة العطار) للشيخ أحمد من تصريحه أنه رأى ربَّ العزة في المنام وبيَّن ذلك بأنه رأى أواني تُوضَع بين يديه على مائدة وتأتي من الخَلْف ولا يرى من يضعها وهي تحمل مختلف الأطعمة فأَوَّلَ ذلك بعداوة أشقائه له وأقاربه له وإن محاربتهم له هي تلك الأطعمة التي أكرمه بها الحق سبحانه في المنام، هذا مُفاد كلامه نقلتُه من حفظي [2] فقد طال عهدي به وهو في المجلد الأول من (الجؤنة) فيما أظن [3] ، وهو كما ترى محتمل لا تمثيل فيه ولا تشبيه ولا تعيين وهو

(1) - هذه المقولة قالها علي بن أبي طالب، فصارت من الأمثال التي لا تتغير كما هو معلوم. وقريبًا منها قولهم: (العلم بدليله لا بقائله) ، وقول ابن عبد البر: (لا يصلح القول لصلاح صاحبه، ولكن يصلح لدلالة الدليل عليه) .

(2) - والحفظ تارة يصيب وتارة يخطئ، وكما قيل: (الحفظ خوان) ، وما كُتب قرَّ، وما حفظ فرَّ.

(3) - لا-شيخنا-هو في المجلد (2/ 146/ رقم:171 - فائدة) . قال: (رأيت ذات ليلة رب العزة في المنام وكأني جالس وحدي على مائدة وهو سبحانه وتعالى ينزل لي أواني الطعام وكنت أرى الأواني تنزل من خلفي من غير أن أرى يدين ولا جوارح وبعد هذه الرؤيا ابتدأ الزمان يتنكر لنا ورأينا من أهله من الأذية، ما يطول شرحه فكانت تلك الاختيارات والأكدار هي موائد الله سبحانه التي أكرمنا بها) . قال فضيلة شيخنا محمد بوخبزة معلقًا على هذا الهراء: (وإذا كان كذلك فمن قال لك: إنه رب العزة تعالى عن تلاعبك وأضغاث أحلامك علوًا كبيرًا. واعلم أن قول المؤلف هنا وهناك جرأ الجهلة من أتباعه على ادعاء مثل هذه الرؤيا بل زعم الدجال وهو من أخص تلاميذ المؤلف، عبد الله الكرفطي أن بعض أصحابه أو حميره زعم أنه رأى الله تعالى في المنام على صورته هو أي: الكرفطي وأنه سأل شيخه المؤلف عن هذا فأجازه وعبر له الرؤيا ولما استنكرنا هذا عليه رد علينا بورقات ثلاث ملأها سبًا وشتمًا وسفاهةً اقتبسها من شيخه المؤلف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت