الصفحة 36 من 54

الشيطان به، وكان ذلك منزعًا آخر في القياس لم يُسْبَق إليه فإني لم أعرف من قاس الخالق سبحانه على المخلوق متعاميًا عن الفوارق الكثيرة، وإن تعجب فعجب قول اللقاني-نقلًا عن الأمير- (فإن رؤي -الله- على وجه لا استحالة فيه فهُو هُو، وإلا فهو مثال، وسبحان من تنزه عن المثال وقيل: هو الرب أيضًا وكونه جسمًا باعتبار ذهن الرائي وفي الحقيقة ليس كذلك) . ومثله ما نقل عن الصاوي في حاشيته من قوله: (واعلم أنه إذا رؤي في المنام فقد يُرى بالصفة التي ذُكرت في التوحيد وهي حق الخ) [1] . وهذه أكبر من أختها، وأنا أعتقد أن هؤلاء الناس لا وازعَ عندهم من حياء ولا دين يحول بينهم وبين مثل هذا الكلام في مقام الله سبحانه وتعالى، وبأدنى تأمل يُدرك ما ينطوي عليه من فَساد وشناعة تؤدي بصاحبها إلى الردة والعياذ بالله، فإن المسلمين سَلَفًا وخلفًا متفقون-وهذا اتفاق مسَلَّمٌ-على أن صفة الله كذاته لا تكيف ولا تمثل ولا تشبه، وجل ربنا عن التكييف والتشبيه [2] والتمثيل، وإذا كان

(1) -قال أبو العباس الخراز: (وأما نسبتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فالرؤية لله تعالى، أشهدني نفسه وقال: انظر: هل تجد محلاًّ للزوجة والولد؟ قلت: لا، وعزتك يا رب) . وقال إبراهيم نياس: (وحقيقة المشاهدة رؤية الحق عيانًا-السر الأكبر ص:419) . وقال الجرجاني: (هو رؤية الحق بالحق) . وصوفي آخر زعم أن رؤية شيخه أنفع من رؤية الله فيقول: (قال أبو تراب لصديقه يومًا: لو رأيت أبا يزيد البسطامي فقال: إني عنه مشغول، فقد رأيت الله فأغناني عن أبي يزيد. قال أبو تراب: ويلك تفتخر بالله عز وجل، لو رأيت أبا يزيد مرة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة. قال الغزالي: فأمثال هذه المكاشفات لا ينبغي للمؤمن أن ينكرها) من هامش كتابي: (حوار هادئ مع الأستاذ عبد السلام ياسين) (ص:27/ 28) . يقول أبو يزيد البسطامي: (رفع بي مرة حيث قمت بين يديه فقال لي: يا أبا يزيد، إن خلقي يحبون أن يروك، قلت: يا عزيزي وأنا أحب أن يروني، فقال: يا أبا يزيد إني أريد أن أريكهم، فقلت: يا عزيزي إن كانوا يحبون أن يروني وأنت تريد ذلك وأنا لا أقدر على مخالفتك قربني بوحدانيتك حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك فيكون أنت ذاك ولا أكون أنا هناك ففعل بي ذلك) . (اللمع) للطوسي (ص:461) . و (وظاهر الانحرافات العقدية) (1/ 61) . للدكتور إدريس محمود.

(2) -والتكييف: أن يقال: بأن الصفة على هيئة كذا وكيفية معينة. والتمثيل المراد به: التشبيه بين الخالق والمخلوق- قال الإمام أحمد: (لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، لا يتجاوز القرآن والحديث) . وقال نعيم بن حماد (شيخ البخاري من الطبقة الأولى) : (من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله عليه الصلاة والسلام تشبيه) وقال الشافعي: (لله أسماء وصفات لا يسع أحدًا جهلها، فمن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر، وأما قبل قيام الحجة فيعذر بالجهل) .قال ابن تيمية في (التدمرية) (ص:8) : (والله سبحانه بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل، فأثبتوا له الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل) . ثم بين في (ص:117) .أن المماثلة تقتضي المساواة من كل وجه الخ. قال ابن راهويه: (من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم-شرح اعتقاد أهل السنة 3/ 532) . انتهى من هامش كتاب: (آيات الرحمن في جهاد الأفغان) (ص:27/ 31) . تحقيق وتخريج أبي عاصم عمر الحدوشي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت