فهرس الكتاب
من الطبيعي أن يكون هنا مد هابط _ جريًا على عادة الفواصل القرآنية التي يسبق فيها حرف العلة حرف النون، فيكون المد صاعدًا أو هابطًا أو مدورًا _ تجنّبت الفاصلة هذا المد بِسُكونٍ وقع على حرف الياء، منعه من التحوّل إلى المد؛ قال تعالى: ( ... فبأي آلاء ربكما تكذّبان ـ رب المشرقين وربّ المغربَيْن ـ فبأي آلاء ربكما تكذّبان ... ) [1] .
فلو قارنا دلالة المد في كلمة (الرحمن) من سورة (الرحمن) مع دلالته في الكلمة نفسها، ولكن في سياق آخر لسورة أخرى، لوجدنا اختلافًا بيّنًا؛ فالمد بالألف في (الرحمن) من سورة (الفاتحة) لا تستبين دلالته من غير النظر في السورة كلها؛ فالسورة دعاء مُمَهَّدٌ له بالحمد والثناء، فهي صلةٌ، إذن، وعلاقةٌ بين العبد وربه، بين السماء والأرض، دعاءٌ صاعدٌ تليه استجابةٌ نازلة. فإذا استقر لك ذلك فانظر الآن إلى السورة نظرةً كليةً تجد أن المد هو الذي يصوِّر لك هذه الحال ويبسطها؛ فلا تكاد تخلو آية من مَدَّين؛ صاعد بالألف، يأتي أولًا ... (دلالة على تعلُّق الرجاء والدعاء بالله ابتداءً) ، ومنه قوله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيّب) [2] ، و هابط بالياء، يتلوه آخرًا (دلالة على الاستجابة التي تعقب الدعاء بإذن الله) ، ومنه قوله تعالى: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزّل الأمر بينهن ... ) [3] ، يقول عز وجل: {بسم الله الرحمن الرحيم _ الحمد لله رب العالمين _الرحمن الرحيم _ ملك يوم الدين _ إياك نعبد وإياك نستعين _ اهدنا الصراط المستقيم _ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [4] . ومن اللافت أن المدَّين يفتتحان معا
(1) سورة الرحمن: 16 - 18.
(2) فاطر (10) .
(3) الطلاق (12) .
(4) الفاتحة (1 - 6) .