فهرس الكتاب
90 -خطورة الدياثة و اقرار المنكر في الأهل
صاحب الغيرة ليخاطر بحياته ويبذل مهجته، ويعرض نفسه لسهام المنايا عندما يرجم بشتيمة تلوث كرامته. يهون على الكرام أن تصان الأجسام لتسلم العقول والأعراض
أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال
وقد بلغ دينكم في ذلك الغاية حين أعلن نبيكم محمد: (( من قتل دون أهله فهو شهيد ) )
يقول ابن القيم رحمه الله: (إذا رحلت الغيرة من القلب ترحَّلت المحبة، بل ترحل الدين كله) . ولقد كان أصحاب رسول الله من أشد الناس غيرة على أعراضهم، روي عن رسول الله أنه قال يومًا لأصحابه: (( إن دخل أحدكم على أهله ووجد ما يريبه أَشْهَدَ أربعًا. فقام سعد بن معاذ متأثرًا فقال يا رسول الله: أأدخل على أهلي فأجد ما يريبني انتظر حتى أشهد أربعًا؟! لا والذي بعثك بالحق!! إن رأيت ما يريبني في أهلي لأطيحنَّ بالرأس عن الجسد ولأضربنَّ بالسيف غير مصفح [3] وليفعل الله بي بعد ذلك ما يشاء. فقال عليه الصلاة والسلام: أتعجبون من غيرة سعد؟؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني؛ ومن أجل غيرة الله حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ... ) ) [4] الحديث وأصله في الصحيحين.
من حُرم الغيرة حرم طُهر الحياة، ومن حرم طُهر الحياة فهو أحطُّ من بهيمة الأنعام.
ولا يمتدح بالغيرة إلا كرام الرجال وكرائم النساء.
إن الحياة الطاهرة تحتاج إلى عزائم الأخيار، وأما عيشة الدَّعارة فطريقها سهل الإنحدار والإنهيار، وبالمكاره حفت الجنة وبالشهوات حفَّت النار
91 -يوسف عليه السلام امتنع عن فعل الفاحشة لثلاثة أسباب:
الأول / حق الله تعالى {مَعَاذَ اللَّهِ}
الثاني / حق الخلق {إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ}
الثالث / حق النفس {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}
قال الرازي رحمه الله في تفسيره:
(هذا الترتيب في غاية الحسن، وذلك لأن الانقياد لأمر الله تعالى وتكليفه أهم الأشياء لكثرة إنعامه وألطافه في حق العبد فقوله: {مَعَاذَ اللَّهِ} إشارة إلى أن حق الله تعالى يمنع عن هذا العمل، وأيضًا حقوق الخلق واجبة الرعاية، فلما كان هذا الرجل قد أنعم في حقي يقبح مقابلة إنعامه وإحسانه بالإساءة، وأيضًا صون النفس عن الضرر واجب، وهذه اللذة لذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا، وعذاب شديد في الآخرة، واللذة القليلة إذا لزمها ضرر شديد، فالعقل يقتضي تركها والاحتزاز عنها فقوله: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} إشارة إليه، فثبت أن هذه الجوابات الثلاثة مرتبة على أحسن وجوه الترتيب)