فهرس الكتاب
علماؤنا أسلوب عربي منوع، والعرب لم تسمه جوازًا؛ كل عربي فصيح إذا قال له أحد:"زارني أسد"عَلِمَ بداهة أنَّ الذي زاره ما هو؟ أنّه رجل شجاع، وكل عربي فصيح لم يتبدّل لسانه كما تبدّلت ألسنتنا في هذا العصر؛ إذا سمع قائلًا يقول:"وجدت الجود عند هذا البحر"يعلم يقينا أنّه يقصد الإنسان الكريم السخي الجواد، وهذا يُفهم ابتداء ما يحتاج إلى قرينة ولا إلى علاقة ولا إلى وجه شبه ولا إلى مشبّه به الأمور واضحة لكن لمّا فسدت الألسن امتطوا هذه الأشياء, نعم لاشك أن علم البلاغة و علم النحو علوم نافعة عظيمة لكن إذا خرجت عن الشّرع أصبحت فاسدة وإذا امتطيت لتغيير وتحريف كتاب الله -عزَّ وجلَّ- وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم أصبحت فاسدة.
«وَارْبِحْ بِهِ بَيْعِي بِلاَ خُسْرَانِ» الله -عزَّ وجلَّ- سمى الأعمال الصّالحة بالتجارة الرّابحة كما قال الله -جلَّ وعلا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الصف:10 - 12]
فسمَّاها الله -عزَّ وجلَّ- تجارة وقال -تبارك وتعالى- في وصف المؤمنين وأنهم يتاجرون مع ربِّ العالمين تلك التجارة الرّابحة؛ قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} إيش؟ {أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم} بماذا؟ {بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} [التوبة: 111] .
جعلني الله وإيَّاكم منهم, فسمَّاه شراء وهذا من الأساليب العربيّة المعروفة ووصف أعمال الكفار بالتجارة الخاسرة, فقال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16] .