فهرس الكتاب
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
قال -رحمه الله-:
«أَنْتَ الَّذِي عَلَّمْتَنِي وَرَحِمْتَنِي * وَجَعَلْتَ صَدْرِي وَاعِيَ الْقُرْآنِ» , مازال في باب الامتنان بما تفضل الله به عليه والاغتباط بذلك والتوسل به؛ يعني يتوسل بالأعمال الصالحة؛ فيشكر ربه ويعترف بنعمته عليه حيث تفضل عليه بالعلم, والعلم هو أعظم زاد يتزوّد به المسلم؛ لأنَّه بالعلم يعرف الكفر من الإسلام، والهدى من الضّلال، والتوحيد من الشّرك، والسنّة من البدعة، والحقّ من الباطل, العلم الذي يعمل به صاحبه هو كالميزان الذي توزن به الأشياء فيزن به الأمور ولا يضع قدمه إلاَّ حيث ينبغي أن تكون, العلم نور يضيء له الطَّريق؛ كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي مالك الأشعري والذي جاء فيه: (( والعلم نور ) )؛ فهو يشكر الله ويحمده أن وفَّقه للعلم ويعترف بفضله عليه.
«أَنْتَ الَّذِي عَلَّمْتَنِي» تفضَّل عليه بالعلم وماذا؟ «وَرَحِمْتَنِي» بهذا العلم؛ لأن في العلم رحمة لأولي الألباب, العلم رحمة على أصحابه حيث يرحمهم الله به من الوقوع في الشبهات وكذلك من الوقوع في الشهوات؛ لأنَّ العالم العامل بعلمه يخشى الله -عزَّ وجلَّ-؛ كما قال الله -جلَّ وعلا- {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر: 28] ؛ فالعلم هو طريق الرحمة أيضًا؛ ولذلك قال: «أَنْتَ الَّذِي عَلَّمْتَنِي وَرَحِمْتَنِي» ؛ أي: رحمتني بهذا العلم, ثمَّ بيَّن بعض ما منَّ الله به من العلم وأعظم ذلك وأفضله وأساسه؛ وهو كتاب الله -سبحانه وتعالى-؛ حيث قال: «وَجَعَلْتَ صَدْرِي وَاعِيَ الْقُرْآنِ» وكلمة واعي أعظم من كلمة حافظ؛ ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( نضَّر الله امرئ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع ) )والوعي هو الفهم والإدراك والتمييز ومعرفة مدلول النص؛ ولذلك"فرب مبلغ أوعى من سامع"، فإذا وعى المسلم