فهرس الكتاب
«مَنْ ذَا يُكَيِّفُ ذَاتَهُ وَصَفَاتِهِ * وَهُوَ الْقَدِيمُ مُكَوِّنُ الأَكْوَانِ» , من الذي يستطيع أن يكيفه وقد استأثر الله بعلم الكيفية, كيفية ذاته وكيفية صفاته؛ إذًا من ادعى علم الكيفية, من قال أن ذاته مثل كذا وكذا؛ كما تقوله المجسمة من الكرَّامية وغيرهم؛ وكما تقوله المشبهة؛ يقولون: له يد شكلها كذا وكذا، وله جسم شكله كذا وكذا؛ فهذا كفر ومروق من الدين، وادعاء لعلم ما لم يُعْلَم, ولذلك قال: «مَنْ ذَا يُكَيِّفُ ذَاتَهُ وَصَفَاتِهِ» نحن نجهل كيفية ذاته وكذلك كيفية صفاته, وفرق بين أن تؤمن بحقيقة ذاته وبين أن تؤمن بحقيقة صفاته ومعانيها، وبين دعوى من يدعي العلم بكيفية ذاته؛ شتَّانَ بين الأمرين,
«مَنْ ذَا يُكَيِّفُ ذَاتَهُ وَصَفَاتِهِ * وَهُوَ الْقَدِيمُ مُكَوِّنُ الأَكْوَانِ»
نقف وقفة عند كلمة القديم, كلمة القديم والذات والوجود وواجب الوجود وما إلى ذلك ما كانت معروفة في الصدر الأول؛ لأن الناس كانوا على فطرهم يؤمنون بالله وبأسمائه وصفاته دون تكلَّف ودون تحريف ولا تعطيل؛ فلما جاءت المعتزلة وأهل الكلام كالجهمية والمعتزلة؛ جعلوا القديم أخص أسماء الله -جلَّ وعلا- والسلف ربما عبروا بذلك مجاراة لهم من أجل إلزامهم بالحجة من خلال ما يؤمنون به، وليس المراد أنهم يعتبرون القديم من أسماء الله، والقديم عليه اعتراض حتى من جهة اللغة؛ لأن القديم هو الذي تقدم غيره وإن كان حادثًا، ومنه قول الله -سبحانه وتعالى-: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 39] .
وإن كان قد يقول قائل: إنه قد ورد لفظ القديم في وصف سلطان الله -جلَّ وعلا- في الحديث الذي يُحسِّنُه بعض أهل العلم: (( أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ) )، وأفضل من ذلك وأسلم أن نعبر بدل كلمة القديم؛ بماذا؟ بالأول, {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] وجاء تفسير ذلك في حديث مسلم: (( أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك