فهرس الكتاب
عجبًا من العجب، حتى صار يضرب بحسن صوته المثل كما يقال لا أجمل من يوسف، كذلك يقال لا أحسن صوتا من داود، قال الله - عز وجل - {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 18 - 19] . وقال تعالى {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ: 10] .
كان إذا أخذ في قراءة المزامير يقف الطير في الهواء، وكانت الوحوش والسباع إذا سمعت صوته لا تستطيع أن تبرح المكان وكان بعضها يموت عطشًا فيه مكانه ولا يستطيع أن يفارق مكانه لجمال صوته وحلاوته، حتى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمشي بالليل في المدينة فسمع صوت أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - فجلس، وكان أبو موسى ظاهر الوضاءة في قراءته، فلما أصبح النبي - صلى الله عليه وسلم - ولقي أبا موسى قال له يا أبا موسى: «لو رأيتني وأنا استمع إلى قرائتك البارحة، لقد أوتيت مزمار من مزامير آل داود، قال: يا رسول الله لو علمت مكانك لحبرت لك تحبيرا» أي لو علمت أنك تستمع إلي لحسنت صوتي ولحزنته أكثر من ذلك، وفي هذا دليل على جواز أن يحسن المرء صوته، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على أبي موسى قوله ذلك، فالحاصل أن داود - عليه السلام - كان ظاهر العبادة، وكان أيضًا سديد الفهم، ولذلك ذكر الله - عز وجل - أعظم صفة يمن بها على عبد، وهو يتكلم عن داود وسليمان في سورة