فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 53

وقالوا: إنه لم يثبت عندهم ضرر الدخان أو تفتيره بصفة عامة، بحيث يكون حراما أومكروها بالنسبة للناس جميعا. فإذا أضر الدخان بأحد الشاربين أو تيقن أو غلب على الظن، حصول الضرر له، حرم عليه أو كره له شخصيا دون غيره الذي لايضره شربه، كسائر المباحات، فإنها- مع إباحتها وحلها- يحرم تناولها على من تضر به،"كالمريض بالنسبة لبعض الأطعمة والأشربة الحلال. ثم ذهب بعض هؤلاء الفقهاء المبيحين إلى أن الأولى بأصحاب المروءة تركه رغبة في الوصول إلى مرتبة الكمال والحسن."

ومع هذا ذهب بعض الفقهاء إلى أن شرب الدخان تعتريه الأحكام الخمسة. فيكون واجبا شربه، إذا تعين شربه طريقا إلى اعتدال المزاج، والقدرة على العمل الذهنى أو الحسى، مما يحصل لبعض من اعتادوا شربه. ويكون مندوبا أو مستحبا، إذا كان شربه يؤدي إلى زيادة في اعتدال المزاج والقدرة على العمل.

ويكون مباحا، إذا كان يستوى حال شاربه، شرب أو لم يشرب. ثم يكون مكروها، إذا كان يضر صاحبه ضررا قليلا، أو كان يغلب على ظنه ضرره قبل شربه.

ثم يكون حراما، إذا تحقق الضرر بالشرب، أو كان متحققا من حصول الضرر الشديد إذا شربه.

وقد ساد القول بحل شرب الدخان، واشتهر قولا وعملا في البلاد الإسلامية. وأقبل علي شربه كثير من الفقهاء الصالحين دون أن يجدوا في شربه أي حرج دينى، وكادت تقنصر الفتوى بحرمته أو كراهته على من يصيبهم ضرر في أبدانهم، أو أموالهم التى تبث ضد حاجتهم وحاجة أسرهم اليها.

والآن- وقد حسمت البحوث الطبية والتجريبية الأمينة الأمر في هذا العصر (3) ، وانتهت إلى اضرار الدخان بصفة عامة، وجزمت بها .. واستجابت لذلك كثير من الحكومات، فاتخذت الاجراءات لمقاومة أضراره، فرفع بعضها أسعاره، لتقليل الاقبال عليه، أو منعت شربه في بعض الأماكن والتجمعات، كما فعلت مصر أخيرأ، بجهود نقيب الأطباء السابق الأستاذ العلامة الدكتور حمدي السيد، وألزمت شركاته باعلان مضاره لشاربه، بصورة واضحة، تنفره منه، حتى يتدبر أمره، ويعرف مصيره، فتقوى عزيمته، ويسميطر بإرادته على سلوكه، فيمتنع عن شرب الدخان، ويحض غيره على ذلك، ويكون قدوة حسنة، ورائدا في ميدان الاصلاح الاجتماعي، ويسن سنة حسنة، يكون له أجرها ومثل أجر من تابعه فيها، من غير أن ينقص أجر التابع، كما جاء في السنة النبيوية.

الآن- وقد حسم أهل الذكر والاختصاص الطبي االأمر- فإن حكم شرب الدخان-بصفة عامة- يدور بين الحرمة والكراهة التحريمية، لمن يدأ في شربه.

ومراعاة لأحوال كثير من الناس، الذين اعتادوا شربه في وقت ساد فيه القول بحله، وكانت لهذه العادة سيطرة وتأثير عليهم، وقد يكون في تركه مرة واحدة كما فعلت أنا، صعوبة ومشقة زائدة غير محتملة عندهم، يكون الحكم- بالنسبة إليهم- هو وجوب التدرج في تقليل الكمية التي اعتادوا شربها، حتى يصلوا إلى القدر الضئيل الذي يخف ضرره أو ينعدم، أو يصلوا إلى الامتناع عنه امتناعا مطلقا، بحسب الوسع والطاقة، وفي حدود ظروفهم الصحية والمالية، ومع اختيار أخف الضررين باختيار الأنواع وطريقة الشرب التي تقل ضررا، وقد فعل ويفعل ذلك كثيرونا استجابة لاحساسهم بمضاره، أو امتثالا لنصائح الأطباء.

وعليهم أن يبتعدوا عن شربه في المجتمعات، والأماكن المغلقة، بعد أن تبين أن ضرر شربه لا يقف عند صاحبه بل يتعداه إلى غيره. وإذا كان الشارب يضر نفسه ولا يبالي، شأن من لا يحتكمون إلى عقولهم بل إلى شهواتهم، فليس له أن يضر غيره، ولا ضرر ولا ضرار، والاسلام حريص على نظافة البيئة (4) فهى من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت