الصفحة 2 من 68

مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

وبعد

البحث العلمي له أصوله المتبعة المرعية في أي علم من العلوم، سواء كان هذا العلم يتعلق بالأمور الكونية (أي الطبيعية) ، أو بالأمور التي تتعلق بالإنسان، وقد اعتمدت هذه الدراسات علي أصل ثابت مهما اختلفت الرؤى النظرية والمناهج في دراسة الظاهرة محل البحث، ألا وهو الاعتماد علي جانبين:-

الأول: جانب الواقع: أي دراسة الظاهرة محل البحث من خلال الواقع الذي تعيش فيه، وأن الوصف الصحيح للظاهرة يعتبر أساسا ومرتكزا في الحكم عليها لأن (الحكم علي الشيء فرع عن تصوره) .

الثاني: والذي لا يقل أهمية عن الجانب الأول وهو الجانب النظري (أي العلمي) الذي يحكم به علي الظاهرة، وهذا الجانب يختلف من شخص إلي آخر حسب معتقده - أي التوجه الفكري الذي يؤمن به، والذي من خلاله يقوم بالحكم علي الظاهرة أو تفسيرها - ومن هنا تختلف وجوه تفسير الظاهرة الواحدة أو الحكم عليها نتيجة لاختلاف الرؤي والتصورات، فالحدث الواحد يُختلف في الحكم عليه من توجه إلي آخر، وذلك بحسب التوجه النظري الذي ينطلق منه الباحث.

والظاهرة محل البحث هي الظاهرة الإسلامية - وأمامنا مسلكان لدراستها:

1 -يمكن دراستها منذ بداية التاريخ الإسلامي إلي رسالة سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم، وذلك وفق الأصول المتفقة بين الرسالات التي تتمثل في التوحيد0

يقول الشيخ سيد قطب (إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة .. ثم تنحرف إلي جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها .. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلي الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلها واحدا، واستسلموا بكليتهم إلي هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم: «يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره» .. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين اللّه كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا علي مدار التاريخ .. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع اللّه آلهة أخري - علي اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلي أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل .. وعلي أساسها يأخذ اللّه المكذبين بها وينجي المؤمنين.

والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات اللّه عليهم - مع اختلاف لغاتهم .. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد: {يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُه ُ} .. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - علي مدار التاريخ - حتي في صورتها اللفظية! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويرا حسيا .. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت