الصفحة 6 من 68

فبعد أن حدد رسول الله لهذه الأمة هويتها الإسلامية التي يجتمع حولها المسلمون وهي لا اله إلا الله، أي عبادة الله وحدة لا شريك له، وقرر أنهم أمة واحدة من دون الناس جرّد هذه الهوية من الالتباسات التي يمكن أن تحدث من تبني القضايا الرائجة عند الناس وقت الدعوة، التي يشاركه فيها غيره من غير أهل دعوته من دعاة الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي والتحرر السياسي، أو غيرها من القضايا التي ربما لا تكون رائجة وقت الدعوة ولكن من شأنها ـ إذا طرحت حسب الظروف السياسية والاجتماعية السائدة في وقت الدعوة ـ أن تجد مساندة من قوي كثيرة يهمها تحقيق هذا البرنامج الإصلاحي أو ذاك، وإن كانت مخالفة في الهوية والعقيدة وسائر التوجيهات لصاحب الدعوة، وكذلك يكون من شأنها أن تجد قبولًا سريعًا لدي الناس لحاجتهم الماسة إليها لفرط معانتهم من التفسخ الأخلاقي والفوارق الطبقية والظلم الاجتماعي، أو احتلال جزء من أراضيهم من قبل آخرين من غير جلدتهم وفرض التبعية عليهم.

وبتجريد الهوية من كل هذه الالتباسات ـ التي يصعب علي صاحب الدعوة تجنبها ما لم يكن مستنًا بالهدي ـ امتنع أن يصير الإسلام بعد ذلك ـ مقوما من مقومات هويات أخري عربية أو فارسية أو تركية، اجتماعية أو سياسية، وامتنع أن يتعدد الإسلام بتعدد الالتباسات (من إسلام صحراوي وآخر ريفي وثالث صناعي أو إسلام اجتماعي وآخر فردي أو إسلام اشتراكي وآخر ليبرالي أو إسلام تركي وآخر مصري وثالث عربي ... ورابع بربري ... وآسيوي أو أوربي وشمالي أو جنوبي) بتعدد الشرعيات والحضارات المقبولة في الدين!!!

وامتنع أن يصير الإسلام فصيلًا من فصائل الإصلاح الأخلاقي أو الاجتماعي أو السياسي في الأمة العربية أو غيرها من الأمم، وتحققت للإسلام هويته الواحدة المستقلة عن غيرها، وأصبح للإسلام بذلك أمته الواحدة المتميزة عن غيرها من الأمم، فأبطل رسول الله بذلك شرعية التعدد في الهويات بامتزاج الهوية الإسلامية بغيرها من خارجها وأصبح للإسلام هوية واحدة متميزة هي: «الاجتماع علي الإسلام والانتساب إلي الشرع» [1] وهي شرعية واحدة لا تتعدد تقوم عليها أمة واحدة لا تتعدد ولا تتفرق بدعاوى الجاهلية.

3 -صفاء عقيدتها:

لقد أقام صلى الله عليه وسلم الهوية علي التوحيد الخالص من إفراد الله سبحانه وتعالي بالنسك والحكم والولاء ـ بعد إفراده تبارك وتعالي بالربوبية

بقول الله جل وعلا: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الأنعام، الآية:162

وقوله تعالي: {أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} الأنعام، الآية: 114

وقوله عز وجل: {قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} سورة الأنعام، الآية:14

وقوله جل وعلا: {قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا} سورة الأنعام، الآية: 164

وبذلك أسقط شرعية أي وضع يقوم علي التمرد علي سلطان الله ـ عز وجل ـ بإشراك غيره معه في الولاء أو الحكم أو النسك أو الربوبية، وبذلك لا يكون لأي وضع علماني أو قومي ـ يقوم علي أساس الاجتماع علي غير الإسلام والانتساب إلي غير الشرع - شرعية إسلامية يستند إليها بدعوي أن القائمين عليه مسلمون!

(1) 7 / راجع كتاب الاعتصام للشاطبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت